بنفوذ التمدن العراقي ، لأن العراق مشهور بالدور الهام الذي قامت به الوثائق المكتوبة في حياتها القانونية والأدبية منذ زمن بعيد جدا . أما الوثائق التي تبينها وتوضحها كتب الشروط ، وكذلك الوثائق الأصلية التي احتفظ بها فهي تتفق بالطبيعة في مضمونها المادي مع أحكام الشريعة الإسلامية بحسب الظروف والأماكن وخصائصها البارزة لا تظهر إلّا في صيغتها التي تغيرت تغيرا كبيرا على مر العصور ، لكنها كانت دائما خاضعة لقواعد فنية صارمة « 1 » .
هكذا تظهر عظمة الشريعة الإسلامية في التوفيق بين الأحكام النظرية والتطبيقات العملية وذلك بفضل العلماء الذين حاولوا الملاءمة بينهما . وقد أدى هذا التوفيق إلى إيجاد قواعد قانونية جديدة كانت لها مكانتها وأهميتها في تطور الفقه حتى يتمكن من مسايرة الحوادث والنوازل الطارئة والجديدة . وهذه « الديناميكية » التي يتمتع بها الفقه جعلته قادرا دوما على مواجهة تلك الحوادث السابقة وتجعله قادرا دوما على مواجهة الحوادث المستقبلية ، وصدق من قال : « ما من عمل إنساني إلّا وفيه شرع من اللّه » .
فإذا كان تطور الفقه في هذه المرحلة قد تم طبقا لما أسلفنا بيانه فما حالته في العصر الحديث ؟ . هذا ما سنعالجه في المطلب القادم إن شاء اللّه .
المطلب السادس تطور الفقه في العصر الحاضر
رأينا في المطالب السابقة كيفية تطور الفقه منذ عصر النبي حتى عصر التقليد والانحطاط الفقهي . ورأينا كيف أن الفقه قد وقف نهائيا عن التطور في مرحلة التقليد بحيث قد اقتصر عمل العلماء فيه على استنباط علل الأحكام التي نقلت عن الأئمة المجتهدين ، الذين تركوا العديد من أحكام المسائل دون ذكر تعليل لها ، فقام علماء هذه المرحلة باستنباط تلك العلل بحيث يتمكنون بها من أن يحكموا في الحوادث والوقائع التي لم يرد فيها حكم عن الأئمة السابقين ، وذلك بقياسها على ما نقل عنهم عن طريق تلك العلل وهذا هو ما أطلق عليه الاجتهاد داخل المذهب . كما أن علماء هذه المرحلة قاموا بالترجيح بين الآراء المختلفة في المذهب سواء أكان ترجيح رواية أم ترجيح دراية . وامتازت هذه المرحلة - كما ذكرنا - بالانتصار للمذاهب ، وقد تم ذلك
هامش
( 1 ) شاخت ، ثلاث محاضرات في الفقه الإسلامي ، المرجع السابق ، 117 .