كالتي يمكن التوصل من خلالها إلى الحق أو دفع الظلم بطرق مباحة لم توضح مؤدية إلى ذلك . وقد ضرب على هذا النوع المئات من الأمثلة « 1 » . وخلاصة كلامه في هذا الصدد أنه يبيح الحيل ما دامت هي مباحة في نفسها ولم يقصد بها حرام . ولعلنا نخرج بعد هذا العرض المطول بأن الحيل القانونية المباحة قد أثرت الفقه الإسلامي في هذه المرحلة ، وجعلته يتلمّس الحلول الفقهية للعديد من القضايا التي خفيت أحكامها ، كما حاولت إيجاد علاقة وطيدة بين النظريات المطروحة فيه وبين التطبيق العملي لها على أرض الواقع . وهو إجراء إيجابي لعب فيه الفقه دورا هاما بحيث جعل من أحكام الشريعة صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان .
ومن خصائص الفقه في هذه المرحلة احتواؤه على الشروط والوثائق التي يمكن بها معرفة القانون العرفي في بلاد الإسلام كما يقول « شاخت » « 2 » . فهو يرى أن أكثر المؤلفين لكتب الحيل من الحنفية ألفوا أيضا في الشروط ، وأنهم من جانب آخر قد اشتغلوا غالبا بالوصايا والأوقاف أيضا بصورة تجعل من الممكن أن يستبين المرء في الكتب الحنفية على مرور القرون ميلا ظاهرا إلى البحث عن الموضوعات ذات الأهمية العملية . وتلك الأهمية لكتب الشروط ناتجة عن نفس وجودها ، ذلك أن الفقه لا يقبل إلّا الشهادة الشفوية ولا يستلزم وثائق مكتوبة ، وذلك العلم وحده لم يفلح في جعل الشروط في ذلك المركز العظيم الذي هو فيه من عمل الفقه . وترجع عادة تحرير التصرفات إلى العصر الجاهلي . فقد ظهر أن الوثائق في ذلك الزمن لم تكن محض مذكرات يستعين بها الشهود كما هي الحال في علم الفقه ، بل كانت وثائق مستقلة تنطق بمضمونها لا ريب في أنها لم تزدوج بالشهادة الشفوية إلّا في مرحلة ثانوية . وقد أقر القرآن هذه الحالة في نوع من العقود طبقا للآية 282 من سورة « البقرة » ، وكذلك نص على الكتابة عند عتق الرقيق . وهكذا فإن الشروط والوثائق تقوم في تطبيق الشريعة العملي بدور أهم بكثير مما يعنيه لها علم الفقه « 3 » . ويستنتج « شاخت » من العرض السابق أن الشروط والوثائق الموجودة في القانون العرفي الجاهلي كانت قد تأثرت
هامش
( 1 ) المرجع السابق ، جزء 3 ، ص 293 إلى نهايته ثم من ص 1 إلى ص 43 من الجزء الرابع من كتابه « أعلام الموقعين » .
( 2 ) شاخت ، ثلاث محاضرات في الفقه الإسلامي ، المرجع السابق ، ص 115 .
( 3 ) أ - المرجع السابق ، ص 116 - 117 .
ب -Schacht , Introduction . . . ; op . cit , p . 73 .بتصرف كبير .