تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 412

مساهمون:

ص٤١٢
أحكامهم من النظر إلى ظواهر النصوص والحكم بظاهر الأوراق لا بما يعتلج في ضمير القاضي وقناعاته الشخصية وبما ينتهي إليه علمه . ولكن نظرا لاتساع الفقهاء المتأخرين في الأخذ بالحيل حتى خالفوا بموجبها أحكاما شرعية صريحة فقد انبرى لهم العلماء فدحضوا آراءهم ، وسفهوا أقوالهم ، وأفتوا بحرمة وكراهية حيلهم ، وهذا هو موقف علماء المسلمين الذين أنكروا هذه الطرق عندما لاحظوا التلاعب بالأحكام الشرعية عن طريق هذا السبيل . فهم عندما رأوا من يفتي بتحليل الربا عن طريق الحيل أو إسقاط الأوامر الشرعية من خلالها ، أو تحليل الزواج المحرم عن طريقها أفتوا بحرمتها . والفقهاء لم يحرموا جميع الحيل على إطلاقها ولكنهم قسموها مراتب كما فعل ذلك « ابن القيم » الذي قسمها إلى حيل محرّمة وحيل مباحة . وقسم الحيل المحرمة إلى حيل محرمة مقصود بها محرم ، كالتحايل على قتل النفس ، وصورة هذه الحيلة أن يتظاهر محرم بصيد ما يحرم صيده في الحرم ، وهدفه قتل إنسان بريء فالحيلة حرام في نفسها لأن الصيد حرام على المحرم ، وقصد بها محرّم وهو قتل النفس المعصومة . وهناك حيل مباحة في نفسها ولكن قصد بها محرم فتصير حراما : كالسفر لقطع الطريق وقتل النفس المعصومة . وهناك حيل موضوعة للإفضاء إلى المشروع ، ولكن يتخذها الشخص سبيلا إلى المحرّم كالإقرار والبيع والنكاح والهبة « 1 » . هكذا يتضح من كلام « ابن قيم الجوزية » حرمة الحيل الموصلة إلى المحرّم سواء أكانت حراما في نفسها أم مباحة ، كما يحرم الحيل الموصلة إلى الحق ، وتحريمها تحريم الوسائل لا المقاصد . وكما قسّم « ابن القيم » الحيل المحرمة قسم كذلك الحيل المباحة إلى عدة أنواع كالحيل المشروعة المفضية إلى المشروع كالتحايل على جلب المنافع ودفع المضار كالمتخلص من الكفار وتخليص الأموال منهم أو قتل أعداء الإسلام أو الاستيلاء على أموالهم ، فهذه حيل مباحة لا بأس بها ويقول « ابن القيم » عنها : « وليس كلامنا ولا كلام السلف في ذم الحيل متناولا لهذا القسم بل العاجز من عجز عنه ، والكيس من كان أفطن به وعليه أقدر ، ولا سيما في الحرب فإنها خدعة » « 2 » . وهناك حيل أخرى مباحة
هامش
( 1 ) ابن القيم ، أعلام الموقعين ، المرجع السابق ، ج 3 ، ص 165 ، وما بعدها . ( 2 ) المرجع السابق ، جزء 3 ، ص 293 .