تجتمع بين المخارج البسيطة والطرق الفقهية الأوروبية . فبهذه الحيل يصل المرء من طريق تصرفات شرعية إلى نتائج تطابق الحاجات العملية ولكن لا تسلّم بها قواعد الفقه رأسا . فهي من جهة الفقه مخارج ومواصفات ، ومن جهة العرف جهود في جعل العرف مقبولا موافقا للشرع « 1 » .
ونحن نوافق « شاخت » فيما ذهب إليه من ظهور الحيل في عصر متأخر عن العهد الإسلامي المبكر . وقد ظهر فعلا في أواخر عصر صغار التابعين بعد المائة الأولى بسنين ولم يعرف عن الصحابة استخدامهم لها .
ولما ظهر القول بالحيل تصدى لها العديد من العلماء ، وعارضوها ، ولم يدخروا وسعا في بيان مخالفتها للشريعة . ومثال ذلك أن الفقيه « عبد اللّه بن المبارك » لما علم أن كتابا ألّف في الحيل ، وجاء فيه أن امرأة أرادت أن تختلع من زوجها فلمّا أبى عليها قيل لها : ارتدي عن الإسلام ففعلت ذلك . فلمّا علم ذلك قال : إن من وضع هذا الكتاب فهو كافر ، ومن سمع به فرضي فهو كافر ، ومن حمله من كورة إلى كورة فهو كافر ، ومن كان عنده فرضي به فهو كافر « 2 » . كما نسب إلى الإمام « أحمد » قوله : من كان كتاب الحيل في بيته فهو كافر بما أنزل على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم « 3 » . غير أننا لا نوافق « شاخت » في سبب ظهور الحيل الذي أرجعه إلى التوفيق بين الأحكام الشرعية والأحكام العرفية . ولكننا نرى أن السبب في ذلك يعود إلى البحث عن مخارج في قضايا لم يحددها الشرع تحديدا نافيا للجهالة ولكن ضرورات الحياة تقتضي البحث عن حلول لها ، فكان البحث عن الحيل بغية النفاذ منها إلى مجال أرحب وأقوم وأكثر تطابقا من الناحية العملية . إذ لو كان الأمر خلاف ذلك ، ولو كانت الحيل قد حرمت تحريما أبديا باعتبارها مخالفة صريحة للقواعد الدينية ما تجرأ الفقهاء على الإفتاء بها وتأليف الكتب حولها ، ولكنهم رأوا أن مصالح الناس تقتضي منهم البحث عن مخارج شرعية لبعض المسائل الشرعية التي لم ينص بصريح العبارة على حكم أحوالها ، فتأولوا لها الحلول وذلك عن طريق تفسير النصوص ، وتخريج الأحكام استنادا إلى روح التشريع لا إلى حرفيته . كما أنه قد ساعد على ذلك ما يذهب إليه القضاة في
هامش
( 1 ) المرجع السابق ، ص 113 .
( 2 ) ابن تيمية ، إقامة الدليل على إبطال التحليل ، ص 63 ، ذكره عبد العظيم شرف الدين ، تاريخ التشريع الإسلامي ، المرجع السابق ، ص 224 .
( 3 ) المرجع السابق ، ص 224 .