تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 410

مساهمون:

ص٤١٠
الأخرى التي يرى أن الحيل قد أثرت فيها هي الأخرى . فالحيل وإن كانت قد استخدمت في بعض فروع القانون لغياب النصوص المنظمة لها فإنها لم تدخل إطلاقا إطار الواجبات الدينية العقائدية . ولكن أقوال « شاخت » حول الحيل تحتاج إلى بيان من حيث زمان ظهورها ومن حيث موقف علماء المسلمين منها . أمّا بالنسبة إلى ظهور الحيل فإن « شاخت » يربطها بعلاقة الأحكام الشرعية والأحكام العرفية في الإسلام . فهو يرى أنه نتيجة لتطور الفقه في الأدوار الأقدم عهدا ، فإن العلاقة بين الأحكام الشرعية والأحكام العرفية تصبح مطلبا مستقلّا . وآية ذلك أن القوة الروحية العظيمة التي استمتعت بها الشريعة قد بلغت حدّا فرضت فيها نفسها على القانون العرفي ، وإن كان هذا القانون قد بلغ من ناحيته أو كاد يبلغ حدّ احتكار القانون من الوجهة المادية . ومن هنا تحقق الناس من وجود قانون عرفي يعارض كثيرا من الأحكام الشرعية ، وإنهم فسروا هذا من الوجهة التاريخية بأن الأجيال المتأخرة لم تبلغ شأن السلف الصالح ، ومن الوجهة الأخلاقية بمبدإ الضرورة التي أغنت عن العمل بالأحكام الشرعية « 1 » . ومن هذا المنطلق ، وللتوفيق بين الأحكام الشرعية والأحكام العرفية يرى « شاخت » أن أهل الفقه قد أجازوا عدة تصرفات عرفية لم تكن تعرفها الشريعة من قبل . أما العمل العرفي فكثيرا ما حاول أصحابه أن يحتفظوا بمظاهره المطابقة للشريعة على الأقل ، في حين أن حقائق الأمور كانت بعيدة عنها بعدا شاسعا ، وهكذا أقاموا في حالة أخذ السارق والسكران عند ارتكاب الجريمة حدود السرقة والشرب رأسا معتقدين أنهم يطبقون الشريعة ، ولكن دون العناية بالإجراءات الدقيقة التي فرضتها الشريعة في هذه الأحوال حتى ذهب بعضهم إلى حد ذبح مجرم يستحق الموت وفقا لقواعد ذبح الضحايا . كما أن أنظمة المحتسب وناظر المظالم لا يراد بها إلّا اجتياز الهوة التي تباعدت شقتها بين منطقة الشريعة ومنطقة الحياة القانونية العرفية . ومنذ الزمن القديم كانت حاجة الشريعة محسوسة إلى أن يندمج العرف القانوني وأن تتاح لمن يهمهم الأمر الوسائل لعقد تصرفات تقتضيها العادة مع مراعاة أحكام الشريعة الإلهية التي
هامش
( 1 ) شاخت ، ثلاث محاضرات في تاريخ الفقه الإسلامي ، المنتقى من دراسات المستشرقين ، المرجع السابق ، ص 113 .