تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
وقبل أن نتناول الموضوع الثاني المتعلق بالعلاقة بين النظرية والتطبيق في الفقه الإسلامي فإنه يجدر بنا أن نتناول رأي « كولسون » حول التقليد حتى نستكمل هذا الموضوع من جميع جوانبه ثم نعود إلى دراسة العلاقة بين النظرية والتطبيق عند كلا المستشرقين . ذهب « كولسون » إلى القول : إن الفقه الإسلامي قد اعترف بوضوح منذ بدايات القرن العاشر الميلادي بأن طاقته الخلاقة قد استنفدت طبقا للرأي القائل : « بإغلاق باب الاجتهاد » حيث حلّ التقليد محل الاجتهاد . وهكذا أصبح كل فقيه مقلدا لمذهب أسسه أسلافه . ويرى بعض الكتاب المحدثين أن هذا المذهب يرجع إلى الظروف الخاصة بالغزو المغولي . ولكن هذه الظاهرة يراها « كولسون » قد حصلت تاريخيا قبل هذا الغزو بثلاثة قرون . ولم يكن هذا الاتجاه عائدا إلى العوامل الخارجية بقدر ما أملته الظروف الداخلية التي تمثلت في استنفاد مصادر الفقه الإسلامية عندما تحددت مضامينها تحديدا نهائيّا . كما أن السبب يعود إلى اعتقاد أن عملية تفسير النصوص وتوسيعها قد اكتملت نهائيا على أيدي أولئك العلماء الأفذاذ الذين صاغت جهودهم الفقه في صيغته النهائية الصحيحة « 1 » . وهكذا يرى « كولسون » أن الأنشطة الفقهية المكبّلة بمبدإ التقليد قد اقتصرت على التدقيق في الأحكام السابقة وتحليلها وشرحها . وبذلك تحدد دور الفقهاء في التعليق على أعمال أئمتهم السابقين في إطار تعليمي بحت ، بلغ أحيانا مستوى رائعا في مجال الإفتاء « 2 » . ويذهب « كولسون » إلى القول : إن الفقه الإسلامي حالة كونه مثاليا فإنه لم يتطور من أحكام المحاكم كالقانون الروماني الذي اعتمد في تطوره على الدعاوى ، أو كالقانون العرفي الإنجليزي الذي تطور بفضل السوابق القضائية ، ومما ساعد على ذلك أن النظرية الأصولية الرباعية التي اكتملت في القرن العاشر الميلادي استبعدت حجية عمل المحاكم تماما ، الأمر الذي نتج عنه منهج نظري منعزل عن الواقع ، وهكذا أصبح هذا المنهج علما تأمليا بحتا عندما انفصل الفقه عن العمل القانوني الواقعي « 3 » .
هامش
( 1 )Coulson , A history . . . ; op . cit , pp . 80 - 81 .( 2 )Ibid , op . cit , p . 81 .( 3 )Ibid , op . cit , p . 82 .