يخرج عن حقيقة التقليد لأنه قائم بالدعوة إلى مذهب « داود بن عليّ » وتأييد مذهبه « 1 » .
ولكن الحقيقة خلاف ذلك فابن حزم يعتبر - طبقا لمعايير الاجتهاد - من المجتهدين الأصلاء وليس مجتهدا داخل المذهب الظاهري ، فهو أولا لم ينتم إلى أي مذهب حتى يقال عنه إنه مجتهد في ذلك المذهب الذي ارتضاه ، ولأن أهل الظاهر لا يعتبرون أنفسهم أصحاب مذهب ثانيا ؛ ذلك أن منهجهم في الاستدلال يقوم على النصوص الظاهرة للكتاب والسنة ، واتفاقهم على عدم تعليل الأحكام باعتبار أن أحكام اللّه لا تعلل . وليس في أهل الظاهر تابع أو متبوع فكلّ منهم ينهل الاستدلال الفقهي من معين النصوص الظاهرة للمصدرين الأصليين للفقه الإسلامي إذا بلغ مرتبة الاجتهاد وتحققت فيه شروطه ، وبالتالي فإن القول بتبعية ابن حزم لداود ليس صحيحا ، ولكنه فعلا رحمة اللّه عليه كان من الأئمة المجتهدين اجتهادا مطلقا .
أما بالنسبة إلى ما ذهب إليه « شاخت » من رفض « ابن تومرت » لمبدأ التقليد والمناداة بالاجتهاد فإن هذه الإشارة تحتاج هي الأخرى إلى بيان . ذلك أن « ابن تومرت » يعتمد على القرآن والحديث في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية . وقد نبذ بذلك دراسة فروع المسائل الفقهية حسب مذهب الإمام « مالك » المطبق آنذاك في إفريقيا الشمالية ، ويرفض القياس الذي يعتبر رأيا وظنّا . وينكر إغلاق باب الاجتهاد ، ويرفض التقليد الذي استقر منذ زمن في بلاده ، وذلك بعد انتصار المذهب المالكي في قرطبة ، وفي المغرب الإسلامي ، فقد أدى تعلق الفقهاء بكتب أصحاب مذهب مالك إلى طرح دراسة الحديث . وقد أورد « جولدزيهر » مثلا حيّا على هذا الاتجاه في مقدمة نشر « لوسياني » لكتاب « أعز ما يطلب » أن قاضي قرطبة « أصبغ بن خليل » تلميذ سحنون كان قد اطّرح الحديث فكان يقول : « لأن يكون في تابوتي رأس خنزير أحب إليّ من أن يكون فيه مسند ابن أبي شيبة » « 2 » .
ويذهب « شاخت » إلى القول : إن « ابن تيمية » لم يطالب صراحة بفتح باب الاجتهاد ولم يدع أهليته له . ولكن نظرا لمعالجته للإجماع بطريقة صارمة يفهم منه رفضه التقليد ، كما أن تفسيره للقرآن والأحاديث النبوية بطريقة معينة أدى به إلى الوصول إلى نتائج جديدة في أنظمة الفقه الإسلامي . وقد اعتنق الوهابيون أفكار « ابن
هامش
( 1 ) الشيخ محمد الخضري ، المرجع السابق ، ص 296 .
( 2 ) ألفرد بل ، الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي ، ترجمة بدوي ، المرجع السابق ، ص 277 .