الإخوة ، ثم قال : وإنما قلت بقول زيد ، وكالذي نقل عن أبي حنيفة في مسائل الآباء :
ليس معه فيها إلّا تقليد من تقدّمه ، وكما نقل عن مالك في أخذه بعمل أهل المدينة « 1 » .
فالأئمة قلدوا في مسائل يسيرة لم يظفروا فيها بنصّ من اللّه ورسوله . ولم يجدوا فيها سوى قول من هو أعظم منهم ، فقلدوه ، وقال « ابن القيم » : « هذا فعل أهل العلم وهو الواجب ، فإن التقليد إنما يباح للمضطر ، أما من عدل عن الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وعن معرفة الحق بالدليل مع تمكنه منه إلى التقليد فهو كمن عدل إلى الميتة مع قدرته على المذكّى ، فإن الأصل ألّا يقبل قول الغير إلّا بدليل عند الضرورة » « 2 » . ثم تصدّى « ابن القيم » في مبحث طويل إلى الأسانيد التي اعتمد عليها في إبطال التقليد كفعل الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين وانتهى في ختام بحثه إلى إبطال التقليد ورفضه .
ويتعرض « شاخت » في نهاية بحثه المتعلق بتطور الفقه الإسلامي بعد غلق باب الاجتهاد إلى دور « المفتين » في هذا التطور . ويصف جهوده بعدم الخلق والإبداع ، وعدم إضافة جديد إلى الفقه الإسلامي طالما كانت مهامهم تتحدد في بيان بعض الأحكام للناس العاديين السائلين لهم عنها . ولكنه يرى لهذا العمل أهميته عندما جمعت هذه الفتاوى في كتب بحيث أصبحت لها فائدة تاريخية لا تنكر ، كما أن تلك الفتاوى تبين لنا التطبيقات العملية للفقه في فترة زمنية محددة ومدى تناسبها والأحكام الشرعية ، ويضاف إلى ذلك أن قرارات المفتي المتعلقة بقضايا جديدة تمّ الاعتراف بها من قبل العلماء بأنها صحيحة ويجب أخذها بعين الاعتبار وتسجل في كتب المذهب ذاته . ويرى « شاخت » أن أحكام القضاة وقراراتهم لم تأخذ هذا الاهتمام ولم تساهم في تطوير الفقه الإسلامي منذ تكوينه عند بداية العصر العباسي « 3 » .
ويختتم « شاخت » بحثه قائلا : « ويظهر للقارئ بكل وضوح أن الفقه الإسلامي حتى العصر العباسي الأول يمتاز بالمرونة والتطور . ولكن بعد ذلك العهد أصبح يتسم بالثبات والجمود . وهذا الجمود المميز للفقه الإسلامي هو الذي أتاح له استقراره عبر العصور التي شهدت انحطاط الأنظمة السياسية الإسلامية » « 4 » .
هامش
( 1 ) ابن قيم الجوزية ، أعلام الموقعين ، المرجع السابق ، ج 2 ، ص 143 .
( 2 ) المرجع السابق ، الجزء الثاني ، ص 190 .
( 3 )Schacht , Introduction . . . ; op . cit , p . 67 .( 4 )Ibid , op . cit , p . 67 .