أشهر من أن يجهله أحد ، كخلافه إياه حول سبي أهل الردة وفي قسمة الأراضي المفتوحة ، وفي المفاضلة في العطاء ، وغيرها ، ثم إنه لو صحّ ما روي عن « عمر » في هذا الصدد لكان غير موجب لتقليد « مالك وأبي حنيفة » ، ولا يتمثل في عقل ذي عقل أن في تقليد عمر لأبي بكر ما يوجب تقليد أهل زماننا لمالك وأبي حنيفة . ويرى « ابن حزم » أن المحتج بما روي عن عمر لعدم مخالفته أبي بكر ينبغي أن يكون أوقح الناس وأقلهم حياء ، لأنه احتج بما يخالفه وانتصر بما يبطله ، لأنه لا يستحي مما يستحي به عمر ، لأن المحتجين بهذا يخالفون أبا بكر وعمر في أكثر أقوالهما . وأخيرا يقول « ابن حزم » : إنه لو صحّ أن عمر قلّد - وقد أعاذه اللّه من ذلك - لكان هو وسائر من خالفه من الصحابة وأبطلوا التقليد واجبا أن تردّ أقوالهم إلى النصّ ، فلأيها شهد النصّ أخذ به ، والنص يشهد لقول من أبطل التقليد « 1 » .
ويستشهد « ابن حزم » بإبطال التقليد بأقوال الأئمة الأربعة الذين دعوا إلى عدم الأخذ بأقوالهم من غير معرفة أدلتهم فيقول : « وأيضا فإن هؤلاء الأفاضل قد نهوا عن تقليدهم وتقليد غيرهم ، فقد خالفهم من قلّدهم » « 2 » .
ويندد « ابن حزم » بنوع آخر من التقليد يراه حراما وهو قيام بعض الفقهاء بإبطال حجج تؤيد ما وجدوا أسلافهم عليه فقط . ثم لا يبالون أشغبا تلك الحجج كانت أم حقّا ، ويضربون في كل حجة خالفت قولهم ، فإن كانت آية أو حديثا تأوّلوا فيها التأويلات البعيدة ، وحرّفوها عن مواضعها ، فدخلوا في قوله تعالى :
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ
فإن أعياهم ذلك قالوا : هذا خصوص ، وهذا متروك ، وليس عليه العمل . ويصف « ابن حزم » هذا التقليد بأقذع الصفات وأبشعها فيقول : « هذا أقبح ما يكون من التقليد وأفحشه ، كالذي يفعل مقلد ومالك وأبي حنيفة والشافعي ، فإنهم إنما يأخذون من الحجاج ما وافق مذهبهم ، وإن كان خبرا موضوعا أو شغبا فاسدا ، ويتركون ما خالفه ، وإن كان نصّا قرآنيّا أو خبرا مسندا من نقل الثقات « 3 » .
وقد ذهب المرحوم الشيخ « محمد الخضري » إلى القول : إن « ابن حزم » وإن كان قد طرح التقليد ، واختار لنفسه وادعى الاجتهاد المطلق ، ولكنه مع دعواه الاجتهاد لم
هامش
( 1 ) المرجع السابق ، ص 65 - 67 .
( 2 ) المرجع السابق ، ص 118 .
( 3 ) المرجع السابق ، ص 117 .