وقال « ابن حزم » في موضع آخر : من ادعى وجوب تقليد العامي للمفتي فقد ادعى الباطل وقال قولا لم يأت به قط نص قرآني ولا سنة ولا إجماع ولا قياس « 1 » .
ويقول ابن حزم في مواضع عديدة من كتابه « الإحكام في أصول الأحكام » : وقد صح إجماع جميع الصحابة أولهم عن آخرهم ، وإجماع جميع التابعين أولهم عن آخرهم عن الامتناع والمنع من أن يقصد منهم أحد إلى قول إنسان منهم ، أو ممن قبلهم ، فيأخذه كله . وهذا الإجماع الذي يراه منعقدا لدى الصحابة بمنع التقليد دعاه إلى التشنيع على المتبعين للمذاهب بقوله : « فليعلم من أخذ بجميع قول « أبي حنيفة » ، أو جميع قول « مالك » ، أو جميع قول « الشافعي » ، أو جميع قول « أحمد بن حنبل » رضي اللّه عنهم ، ممن يتمكن من النظر ، ولم يترك من اتبعه منهم إلى غيره أنه قد خالف إجماع الأمة كلها عن آخرها واتبع غير سبيل المؤمنين » « 2 » .
ولم يفرق « ابن حزم » بين مصطلح « التقليد » عندما ذكر استحياء قوم من أهل التقليد من فعلهم فيه ، وهم يقرون ببطلان المعنى الذي يقع عليه هذا الاسم فقالوا : لا نقلد من نتبع « 3 » . فأبطل هذا الرأي عندما رأى أن كلا الاصطلاحين واحد ، فالمحرم عنده إنما هو بالمعنى ، فليسموه بأي اسم شاءوا ، ولأنهم ما داموا آخذين بالقول : إن فلانا قاله دون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فهم عاصون للّه تعالى ، لأنهم اتبعوا من لم يأمرهم اللّه تعالى باتباعه « 4 » . وفي سياق تحريمه للتقليد وإبطاله ، يورد « ابن حزم » العديد من الأمثلة التي قيل : إن الصحابة قد قلدوا فيها بعضهم بعضا كمن قال : إن « ابن مسعود » كان يأخذ بقول عمر فأبطل « ابن حزم » هذا المثال وبسط فيه القول بسطا ، وفنده جملة وتفصيلا « 5 » .
كما أنه أبطل القول المنسوب إلى « عمر » بأنه يستحي من اللّه إن خالف أبا بكر « 6 » ، ونقضه من خمسة أوجه : لأنه حديث مكذوب ، ولأن خلاف عمر لأبي بكر
هامش
( 1 ) المرجع السابق ، ص 67 .
( 2 ) محمد أبو زهرة ، ابن حزم ، دار الفكر العربي الطبعة الثانية ، ص 277 ، بدون تاريخ .
( 3 ) ابن حزم ، الإحكام في أصول الأحكام ، دار الآفاق الحديثة ، الجزء السادس ، ص 60 . بدون تاريخ .
( 4 ) المرجع السابق ، ص 60 .
( 5 ) ابن حزم ، المرجع السابق ، ص 61 - 64 .
( 6 ) المرجع السابق ، ص 65 .