والحقيقة ؛ إن التقليد لا يخرج بصورة عامة عما ذهب إليه « شاخت » ، ولكنه أورده في جمل غامضة محددة . ولإيضاح قوله نفيد أن التقليد في تعريفه العام عبارة عن تلقي الأحكام من إمام معين معتبر واعتبار أقواله كأنها من الشارع نصوص يلزم المقلد اتباعها « 1 » .
ومما يميز الاجتهاد عن التقليد ، أن الأول يقوم به الفقهاء المجتهدون الذين يدرسون الكتاب والسنة وتكون عندهم المقدرة والكفاية العلمية مما يستنبطون به من الأحكام من ظواهر النصوص . أما الثاني فيقوم به المقلدون وهم الذين لم يشتغلوا بدراسة الكتاب والسنة دراسة عميقة تؤهلهم لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية . فإذا نزلت واقعة من الوقائع التي لا حكم سابقا فيها يرجع المقلد إلى كتب إمام معين فيدرس طريقه ، ويجد الحلّ لديه ، وإذا لم يجده مباشرة اجتهد في هذا الإطار دون سواه حتى يجد الحلّ المنشود وهو ما يطلق عليه بالمجتهد داخل المذهب أو المجتهد في الأمور الجزئية ، لأن الاجتهاد المطلق مقصور على العلماء والمجتهدين الأوائل . علما بأن المقلّد قد يستند إلى رأي إمامه الذي اتخذه قدوة له ، وقد يؤلّف كتابا في أحكام إمامه ، أو يختصر مؤلّفا سبق أن فصل فيه ذلك الإمام غير أنه لا يسمح لنفسه بأن يقول في مسألة من المسائل قولا يخالف ما أفتى به إمامه .
لقد تمّ التحول تدريجيّا من نظام الاجتهاد إلى نظام التقليد . وقد تحدد ذلك طبقا لنظرية اختلاف درجات الاجتهاد . فعادة ما يرفض اجتهاد أي مؤلف لكتب قيّمة مهما كان اجتهاده مقصورا على أمور بسيطة لأنه يعتبر مجرد مقلد بسيط . كما أن المذهب النهائي لأي مدرسة فقهية قد يختلف أحيانا عن أفكار وآراء مؤسسي تلك المدرسة أو عن الرأي السائد فيها . إلّا أن تفاصيل هذا التطور المذهبي لم يمنع من تأليف مراجع فقهية هامة داخل فقه كل مدرسة ، كما لم يمنع التقليد في هذا العصر من ظهور أفكار أصيلة في الفقه الإسلامي ، هذه الأفكار التي تختلف حولها المدارس الفقهية وتؤثر بموجبها في بعضها بعضا . إلّا أن هذه الأفكار الأصيلة لا يمكن التعبير عنها صراحة إلّا داخل البناء القانوني المجرد والمنظم والذي لا يتعلق بالقرارات السابقة للقانون الوضعي ولا بالمذهب التقليدي لأصول الفقه . إن معظم هذه التطورات النظرية
هامش
( 1 ) الشيخ محمد الخضري ، المرجع السابق ، ص 278 .