تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
هكذا يعود « شاخت » من جديد إلى التشديد على أن الأحاديث النبوية ظهرت في هذه المرحلة من تطور الفقه الإسلامي . وأنكر للسنة كل حجية في استنباط الأحكام الشرعية قبل هذا التاريخ . وهي شبهة طالما دحضناها في مناسبات سابقة . والغريب أنه لم يقدم لنا أدلة علمية يبرهن فيها على صحة افتراضه هذا ، اللّهم إلّا بعض الأمثلة التي سطرها في كتابه « أصول الشريعة المحمدية » والتي تعتبر باطلة لأن الوقائع التي افترض أن هذه الأحاديث قد جاءت لتنظيمها لم تقع إبان هذا العهد - كما كان يفترض - ولكنها حصلت زمن النبي والصحابة والخلفاء الراشدين وجاءت تلك الأحاديث منظمة لتلك الوقائع ومشرعة لها . ويستمر « شاخت » في عرض تطور الفقه إبّان هذه الفترة مؤكدا تضييق الاجتهاد الشخصي في مجال الفقه بالرغم من أن ذلك كان أمرا طبيعيا إبّان فترة تكوين الفقه الإسلامي خلال القرنين والنصف السابقين . بحيث لم يرفض لأي عالم متخصص بالشريعة حق تقديم حلول لمسائل فقهية اعتمادا على اجتهاده الشخصي . وعندما ولج هذا الباب من ليس له أهلا تساءل العلماء خلال هذه الفترة عمن هو مؤهل للقيام بذلك ؟ . إن الدلائل المبدئية للاتجاه الرامي إلى رفض الاجتهاد الشخصي لعلماء هذا العصر والذي كان متاحا بحرية لمن قبلهم يمكن إدراكها عند « الشافعي » . ثم تبلورت هذه الفكرة اعتبارا من منتصف القرن الثالث الهجري والقاضية بأحقية العلماء الكبار السابقين الذين لا يمكن مجاراتهم في الاجتهاد المطلق بالرأي دون سواهم . وقد لقيت هذه الفكرة قبولا واسعا . وفي هذه المرحلة فإن مصطلح « الاجتهاد » قد اقتطع من المفهوم القديم القاضي باستخدام الرأي وحدد إمكانية استنباط الأحكام الشرعية استنادا إلى القرآن ، وسنة النبي والإجماع والقياس . وفي بداية القرن الرابع الهجري أفتى علماء العصر بغلق باب الاجتهاد استنادا إلى أن كلّ المسائل الرئيسة قد تمت مناقشتها وتنظيمها وتقعيد القواعد الفقهية لها بصورة نهائية . وأقر الإجماع القاضي بعدم أهلية أي شخص للاجتهاد بالرأي في المسائل الفقهية . وكل نشاط مستقبلي في هذا الميدان يتحدث في شرح وتطبيق وتفسير القواعد الفقهية طبقا لما نظمته كل مدرسة على حدة . وهذا هو التقليد بعينه الذي يعني قبول المدارس الفقهية القائمة وحججها دونما تحفظ . والشخص الذي يحق له الاجتهاد داخل المذهب يسمى « مقلدا » « 1 » .
هامش
( 1 ) بتصرفIbid , op . cit , p . 64 .