والمختصين إلى عامة الناس فأصبحت كل جماعة أو مصر تتعصب لمذهبها فتشنع على المذاهب الأخرى وتعيب خصومها .
وبالرغم من سيادة روح التقليد في هذا العصر فإنه برز فيه فقهاء كبار ، ساهموا في إثراء الفقه الإسلامي وازدهاره وذلك بما قاموا به من التعليق على الأحكام واستخلاص القواعد الفقهية . ذلك أن الأئمة الكبار تركوا كثيرا من المسائل دون تعليم ، فقام فقهاء هذه المرحلة باستنباطها ، ومن خلالها أمكنهم أن يحكموا الوقائع والنوازل التي لم يرد حكم فيها عن الأئمة المجتهدين ، وذلك بقياسها على ما نقل بواسطة تلك العلل « 1 » . كما قام فقهاء هذا الدور باستخلاص القواعد الفقهية التي بنى عليها السابقون استنباطاتهم ، فتتبعوا فروع هذه المسائل واستخرجوا منها القواعد العامة ، ودوّن كل ذلك في علم « أصول الفقه » وبذلك اتسعت قواعده وتعددت مباحثه .
ومن ثمّ فإنه يجب اعتبار هؤلاء الفقهاء مجتهدين في حدود مذاهب أئمتهم وهو ما يعرف بالاجتهاد في المذهب أو الاجتهاد المقيد أو التخريج « 2 » .
كما قام فقهاء هذا العهد بالترجيح بين الآراء المختلفة في المذهب ، وهو ما قسمه العلماء إلى ترجيح من حيث الرواية ، وترجيح من جهة الدراية . وكانت جهود الفقهاء من حيث الرواية تحدد بالترجيح بين الروايات المختلفة عن صاحب المذهب ، فوضعوا قاعدة للترجيح ، وهي ترجيح رواية من اشتهر بالضبط والحفظ والدقة في النقل وذلك لاطمئنان النفس إلى روايته « 3 » . أما جهود فقهاء هذا العهد فيما يتعلق بالترجيح من جهة الدراية ، فإنما يكون بين الروايات الثابتة عن الأئمة أنفسهم إذا اختلفت ، أو بين ما قاله الإمام وما قاله أصحابه المنتسبون إليه . وهذا الترجيح يكون من الفقهاء العالمين بأصول أئمتهم وطرقهم في الاستنباط ، فيرجحون من الأقوال ما يتفق مع تلك الأصول وما يكون أقرب إلى أدلة الفقه الأصلية وهي الكتاب والسنة والقياس « 4 » .
هذه باختصار نبذة موجزة عن حالة الفقه في هذا العهد الذي نؤرخ له . وقد بينا
هامش
( 1 ) عبد العال عطوة ، مدخل إلى الفقه الإسلامي ، المرجع السابق ، ص 327 .
( 2 ) المرجع السابق ، ص 327 .
( 3 ) الشيخ محمد الخضري ، المرجع السابق ، ص 286 ، بتصرف .
( 4 ) المرجع السابق ، ص 286 .