تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
لك خصائصه ، ومميزاته والظروف التي دفعته إلى السير على هذا المنوال . والآن يجب علينا استعراض الفقه في هذا العهد طبقا لآراء المستشرقين باعتباره الموضوع الرئيس في بحثنا ، فما نظرتهم عنه يا ترى ؟ . كاد الفقه يسيطر على مجمل الحياة العلمية في العقود الأولى من حكم الدولة العباسية وذلك بفضل تشجيع الدولة ، إلّا أن ذلك لم يصل إلى غايته نظرا لانفصال الإدارة عن القانون الديني من جديد ، للصرامة المتناهية للشريعة التي حدّت من مسايرة القانون للأوضاع التطبيقية الحقيقية . وهذا التطور يقتضي دراسة موضوعين متوازيين أحدهما يتعلق بالتطور الداخلي للفقه الإسلامي ذاته والآخر يتناول العلاقة بين النظرية والتطبيق . أما فيما يتعلق بالتطور الداخلي للفقه الإسلامي فإن بدايات العصر العباسي لم تشهد ظهور المدارس الفقهية ونموها فحسب ولكنها كانت شاهدا على نهاية مرحلة تكوينه . فقد طبعت الحياة الإسلامية بكاملها بطابع ديني أخلاقي إسلامي . وتمّ تطوير القانون وإعداده في جميع تفاصيله ، ولعب مبدأ عصمة إجماع العلماء المجتهدين دوره في تضييق وتصلب المذهب الفقهي . وأخيرا عندما جاء الطرح القاضي بغلق باب الاجتهاد فإنه عكس بصفة رسمية الواقع المعاش بكل أبعاده « 1 » . لقد اعتقد المتخصصون الأوائل بالفقه الإسلامي أن البحث عن القواعد الفقهية قد اكتمل بفضل الاجتهاد بالرأي المستند إلى القرآن والتطبيقات العملية المحلية . كما أنهم كانوا قد طبقوا المعايير الناجمة عن التطبيقات الإدارية والقوانين العرفية السائدة في الجزيرة العربية وفي الأراضي المفتوحة . غير أن السؤال المتعلق بمواصفات المجتهد الذي يحق له الاجتهاد برأيه الشخصي لم يطرح بعد . وهكذا تحددت تدريجيا حرية الاجتهاد والنظر الشخصي بعدة عوامل كضرورة الإجماع المحلي ثم الإجماع العام . وتكوين مجموعات فقهية داخل كل مدرسة ، وإخضاع الرأي الشخصي إلى معايير أكثر دقة وصرامة ، وأخيرا ظهور العديد من الأحاديث المرفوعة إلى الرسول والصحابة والتي لم تكن في الأصل إلّا وليدة الآراء الشخصية « 2 » .
هامش
( 1 ) بتصرف .Shacht , Introduction . . . , op . cit , p . 63 .( 2 )Ibid , op . cit , p . 63 .