تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
مناسبات عديدة بأنه قد يراجع نفسه في حكم فقهي أصدره إذا ظهر له سبب يقتضي العدول عنه . وهذا هو منهج بقية الفقهاء الآخرين . فهذا الإمام « أبو حنيفة » يدعو العلماء إلى البحث والاجتهاد ويطالبهم بتقديم الدليل العلمي الذي يستندون إليه حتى نسب إليه قوله : « لا ينبغي لمن لا يعرف دليلي أن يفتي بكلامي » . وقوله : « هذا رأي النعمان بن ثابت ، وهو أحسن ما قدرنا عليه ، فمن جاء بأحسن منه فهو أولى بالصواب » « 1 » . وهذا إمام المدينة يقول في هذا الصدد : « ما من أحد إلّا وهو مأخوذ من كلامه ومردود عليه إلّا صاحب هذه الروضة » . وهذا « الشافعي » الذي قدمنا لك دليله على منع التقليد يقول : « إذا رأيتم كلامي يخالف الحديث ، فاعملوا بالحديث ، واضربوا كلامي عرض الحائط » « 2 » . وهذا الإمام « أحمد » يقول : « لا تقلدني ولا تقلدن مالكا ، ولا الأوزاعي ، ولا النخعي ولا غيرهم ، وخذ الأحكام من حيث أخذوا من الكتاب والسنة ، ولا ينبغي لأحد أن يفتي إلّا أن يعرف أقاويل العلماء في الفتاوى الشرعية ويعرف مذاهبهم » « 3 » . تميز هذا العهد بشيوع الجدل والمناظرات كما أسلفنا ، وهذا أمر اقتضاه تقليد الأئمة المجتهدين ، والتعصب لمبادئهم . واقتضى ذلك تأليف كتب كثيرة أطلق عليها « علم أدب البحث » ، وحاول واضعوها إيجاد معايير خلقية ينظمون بها هذه المناظرات والمجادلات حتى لا تنقلب إلى سفاسف ، وقد أشار « ابن خلدون » في مقدمته إلى ظهور هذا العلم ، وفصل « الغزالي » القول فيه تفصيلا فأفصح عن شروطه وأبان عن آفاته . وقادت هذه المناظرات في غالب الأحيان إلى التعصبات المذهبية التي هي في حقيقتها نتاج تقليد المدارس الفقهية . وقد أشرنا آنفا إلى روح التسامح الذي كانت تتميز به المدارس الفقهية القديمة ، بحيث كان الاختلاف بينهم لا يؤدي إلى كراهية بعضهم لبعض . وكان يوجد في كل بلد أكثر من مجتهد واحد فلا يتحاسدون ولا يمقت أحدهم الآخر ، وتدور بينهم المناظرات العلمية فيحترم كل منهم رأي زميله . أما في هذا العهد فقد كثر فيه تقليد إمام دون آخرين فجرّ أتباع كل إمام إلى التعصب له ، والأخذ بأحكامه ، وطرح ما سواه جانبا . وقد استشرى هذا التعصب حتى تعدى العلماء
هامش
( 1 ) د . عبد العظيم شرف الدين ، تاريخ التشريع الإسلامي ، المرجع السابق ، ص 206 . ( 2 ) ابن قيم الجوزية ، أعلام الموقعين ، المرجع السابق ، ج 2 ، ص 139 وما بعدها . ( 3 ) د . عبد العظيم شرف الدين ، المرجع السابق ، ص 207 .