تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
واستنباطهم دونما تقيّد بمدرسة فقهية معينة . أما الآن فإن حرية اختيار الدليل ، واستخدام سلطة القاضي التقديرية قد تقلصت ، وفرض عليه الاجتهاد داخل المذهب الذي ارتضته الحكومة القائمة المعيّن من قبلها ، فأدى هذا التحديد في سلطة القاضي الاجتهادية إلى ترسم المذهب المفروض عليه فتقلصت تبعا لذلك اجتهادات القضاة الشخصية وترعرع روح التقليد داخل المذهب الواحد الذي تطبقه الحكومة المعنية . ولعل الطامة الكبرى التي أدت إلى نمو التقليد والقضاء على روح الاجتهاد والتجديد تلك الفتاوى التي أصدرها بعض العلماء والتي حرمت الاجتهاد بعد أن دبّت الفوضى الفقهية ، فخاف أولئك العلماء قيام بعض منهم بالاجتهاد في المسائل الفقهية وهم ليسوا أهلا لها ، ليمنعوا أدعياء الاجتهاد من تضليل الناس باسم اجتهادهم المزعوم ، بحيث إنه لم يكن أمامهم إلّا هذا السبيل فأدت هذه الفتاوى إلى شيوع التقليد ، وغلق باب الاجتهاد ، فأصاب الفقه الجمود واستمر كذلك حتى العصر الحاضر الذي تجدد فيه الفقه لأسباب سنعرض لها في حينها . هكذا تميز هذا العهد بروح التقليد ، فذهب روح الاجتهاد والتجديد ، وأصبح سمة العصر بحيث لا تجد عالما إلّا اتخذ مذهبا معينا يتلقى العلم على علمائه ، ويرجع إلى مؤلفاته وفتاويه ، ولا يجشم نفسه الاجتهاد في المسائل والأقضية المطروحة أمامه ، ولا يؤلف كتابا يستقل به عن مقلده ، فإذا علت همة هذا العالم المقلد فإنها لا تتعدى تأليف كتاب في أحكام إمامه ، أو يختصر مؤلّفا سبقه إليه إمامه ، أو يجمع ما تفرق في كتب شتى ولا يجيز لنفسه أن يقول برأي يخالف فيه فقيهه حتى قال أحد فقهاء الحنفية « أبو الحسن عبد اللّه الكرخي » : « كل آية تخالف ما عليه أصحابنا فهي مؤولة أو منسوخة ، وكل حديث كذلك فهو مؤول أو منسوخ » « 1 » . إن هذه الحالة التي أتينا على وصفها تدل على الانحطاط الذي وصل إليه الفقه في هذه المرحلة . وقد رأينا آنفا كيف كان الفقهاء الكبار لا يجوّزون التقليد ، ويمنعون الناس من ترسم خطاهم ، ويدعونهم إلى إعمال الجد والرأي ، وقد ضربنا لك الأمثلة بالإمام « الشافعي » الذي منع الناس من تقليده ، وكانت له الشجاعة الأدبية ليصرح في
هامش
( 1 ) الشيخ محمد الخضري ، تاريخ التشريع الإسلامي ، المرجع السابق ، ص 279 .