خلاف جوهري بينها مما قد يؤدي إلى القطيعة النهائية بين بعضها بعضا ، بل كانت هذه المدارس تتبادل الرأي والجدال المبني على الاحترام والتقدير الكاملين طبقا لمعايير أدب الجدل والمناظرة .
إن الحالة السياسية السيئة التي مرت بها الدولة العباسية في نهاية عهدها جعلت الفقهاء والعلماء ينكمشون على أنفسهم ، ويلتفون حول إمام معين فيروّجون أفكاره ، ويتعصبون لفتاويه ، ويلازمونه ملازمة الظل ، ولا يحيدون عنه قيد أنملة ، حتّى لقد بلغ التعصب المذهبي في هذا العهد أن وضعت بعض الأحاديث النبوية لتغليب مدرسة على أخرى وفقيه على آخر . وحتى بلغ الأمر أن اعتبر المقلدون أقوال الإمام التابعين له والدائرين في فلكه وفتاويه كأنها نصوص شرعية لا سبيل إلى الحيدة عنها .
ومما ساعد على اتساع حركة التقليد وجود تلك المدوّنات الفقهية القديمة التي دبجها رؤساء المدارس الفقهية القديمة وأتباعهم . وقد احتوت تلك المدونات على معظم الحلول التي ينشدونها ، خاصة وأن الدولة الإسلامية قد وقفت عن الاتساع في هذه الحقبة الزمنية من تاريخها ، فعكفوا على تلك المدونات يقرءونها ويشرحونها ، ويستقون منها أحكامهم ، ويعتمدون عليها في فتاويهم . وقد قصر نظرهم عن غيرها ، فلم يتعدّوها إلى سواها . فانغلقت عليهم دائرة التفكير حولها . فأصبحوا بقوة الأشياء مقلدين لأولئك الأئمة المجتهدين بحيث لم يتعدّ مجهود من لحقهم الاجتهاد داخل المذهب ذاته الذي ارتضاه العالم المحقق مذهبا له .
ومما ساعد على سيادة روح التقليد انقسام الدولة العباسية وضعفها ، الأمر الذي لازمه عدم اهتمام الدول المنبثقة منها بتشجيع انتشار العلم وتكوين العلماء . فلم تواكب الفقه تلك النهضة التي كان ينبغي أن تكون كذلك لو وجد التشجيع الكافي كما كان الشأن في الزمن الماضي . فقلّ العلماء وقلّت دور العلم ، وأصبح الركود والجمود يسودان الأمة الإسلامية ، وقد كان انعكاس ذلك سيئا على تطور الفقه الذي أصبح جامدا في تلك القوالب التي صبّته فيها المدارس الفقهية القديمة .
ولعل من الأسباب التي أدت إلى سيادة التقليد ، والإقلال من دور التجديد والابتكار في الفقه عدم إعطاء الفرصة الكافية للقضاة للاجتهاد بآرائهم في القضايا المطروحة أمامهم ، مثلما كانوا يفعلون في السابق ، بحيث كانت لهم الحرية المطلقة في إصدار أحكامهم طبقا للمصادر الفقهية التي يجدونها للأئمة لاجتهاداتهم
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 392
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٣٩٢