تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١

المطلب الخامس الفقه في دور التقليد

رأينا في المطالب السابقة كيفية تطور الفقه منذ عصر النبي عليه الصلاة والسلام حتى عهد الأئمة المجتهدين . فقد بدأ صغيرا ثم أخذ ينمو ويترعرع حتى أصبح شابّا ، ثم تحول فصار كهلا مكتمل النمو ، حافلا بشتى أنواع المعارض والمعلومات ، متميزا بالتطور والتقدم الذي ساير الأوضاع الإسلامية المتطورة دوما إلى الأفضل والأمام ، حتى وصل إلى ذروته في عهد الدولة العباسية بتكوين المدارس الفقهية الكبرى التي زادت في نموه وتطوره ، فكثرت أصوله ، وتحددت معالمه ، وأرسيت قواعده . وقد ارتبط الفقه ونموه بتطور الدولة الإسلامية واتساعها ، وبنوعية الحضارة والثقافة التي استوعبتها ، وبحركة المد والجزر السياسية التي أثرت في نموه سلبا وإيجابا . وقد تلازم تطور الفقه بتطور الدولة الإسلامية ، فسايرها في نهضتها ، وقدم لها الحلول الناجعة في جميع القضايا الجديدة التي واجهتها ، وأصبح المعبّر الفعلي والحقيقي عن ازدهارها وعظمتها وحضارتها . وعندما انتاب الدولة العباسية الضعف والهوان ، وتفرقت أشتاتا تفرّق أيدي سبأ ، واستأثر بالأمر من ليس له بأهل . انعكس ذلك كله على الفقه الإسلامي . فقد وقف بعد تطوره في عهد الأئمة المجتهدين . بل إنه قد تأثر بتأسيس المدارس الإسلامية القديمة منها واللاحقة بها . ذلك أنه صار لكل مدرسة أتباع يتعصبون لها ، ويدافعون عن فقهها ومبادئها دفاعا مشوبا بالتعصب والهوى أكثر من استناده إلى الحجج والأدلة العلمية . فركد الاجتهاد ، ووقف في إطار هذه المدارس الشهيرة . وعكف كل فقيه يؤلف المدونات الفقهية داخل إطار المدرسة التي ينتمي إليها . وبلغ التعصب مداه عندما حرّموا على المرء الانتقال من مدرسة إلى أخرى وكأنه أصبح الانخراط في سلك إحداها التزاما دينيا لا يجوز للمنخرط فيها اعتناق الأفكار الفقهية لمدرسة سواها . لم يكن هذا التعصب المذهبي معروفا إبّان عهد الأئمة المجتهدين . بل إن المدارس الفقهية الكبرى كانت عنوانا للتسامح المطلق فيما بينها . ولم يحدث أي