الأصولي الذي تسببت فيه أطروحات « الشافعي » قد انتهى ، وأخذت السنّة مكانتها في التشريع الإسلامي . وأخذ المسلمون بالقياس والنظر العقلي لمواجهة الوقائع العملية يضاف إلى ذلك أن الأحناف والمالكية قد اعترفوا في أصولهم بحجية السنّة بعد أن وفقوا أفكارهم ولو شكليّا مع أطروحات الشافعي « 1 » .
ونحن نستغرب جدّا من هذه النتيجة الختامية التي لا تستند إلى أدلّة علمية ولا إلى وقائع تاريخية لإثباتها . ذلك أن حجية السنّة لم تتقرر في هاتين المدرستين في هذا العصر بعد أو وفقت بين فقهها الثابت وبين أفكار « الشافعي » الأصولية وقد رأينا إبان عرضنا الطويل لتطور الفقه الإسلامي كيف أن هذه الحجية كانت أمرا مسلّما به منذ عهد الصحابة الأوائل مرورا بعهد الخلفاء الراشدين والدولة الأموية ، ولم نجد مسلما واحدا أو مدرسة واحدة أنكرت حجية السنة ، أو حطت من مكانتها ، أو تجاهلت دورها التشريعي إلا بعض الفرق الإسلامية المنشقة عن فرقها الأصلية كفرقة « السكاكية » . وما عدا ذلك فإن إجماع المسلمين قاطبة قد انعقد لحجية السنة واعتبارها مصدرا أساسيّا للتشريع تأتي في المرتبة الثانية بعد القرآن الكريم منذ الزمن الإسلامي المبكر إلى يوم الناس هذا .
هكذا عرضنا عليك تفصيلا تطور الفقه الإسلامي في عهد الأئمة المجتهدين ، تعرضنا فيه إلى كيفية نشأة ونمو المدارس الفقهية الكبرى ، والأسباب الأساسية التي أدت إلى قيامها ، ومساهمتها في تطوير الفقه الإسلامي . وركزنا بصورة أساسية على دور « الشافعي » المبدع والخلّاق في هذا الميدان . ونوّهنا بآراء المستشرقين حوله . كما عرضنا لك في هذا السياق تطور الفقه من وجهة نظر استشراقية ورددنا على كثير من القضايا والمسائل التي رأينا من اللازم التعرض لها لأنها لا تتفق والموضوعية العلمية ، وقادنا السياق كذلك إلى تحليل العديد من القضايا الفرعية التي تدخل ضمن موضوعنا لاستكماله من جميع جوانبه . وهنا تقتضي منا منهجيتنا تتّبع هذا التطور الفقهي في العصور اللاحقة ، فما حالة الفقه يا ترى في عصر التقليد ؟ هذا ما سنبحثه في المطلب القادم إن شاء اللّه .
هامش
( 1 )Ibid , op . cit , pp . 72 - 73 .