تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
دعوني من إحراق رق وكاغد * وقولوا بعلم كي يرى من يدري وإلا فعودوا للمكاتب بدأة * فكم دون ما تبغون للّه من ستر فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي * تضمنه القرطاس ، بل هو في صدري يسير معي حيث استقلت ركائبي * وينزل إذ أنزل ويدفن في قبري
ونحن إذ نستسمح القارئ على هذا الاستطراد الذي قصدنا من ورائه تفنيد رأي « كولسون » حول ظروف إحراق كتب « ابن حزم » ، وإن كانت العاطفة الجياشة تغلبت عندنا في هذه الواقعة على المناهج العلمية الصارمة ، فإننا نعود إلى رأي صاحبنا حول تطور الفقه الإسلامي طبقا لظهور هذه المدارس الفقهية ، فهو يقرر - بعد إشارته إلى ظهور المدرستين الحنبلية والظاهرية - أن المدارس الفقهية كالمالكية في المدينة ، والأحناف في الكوفة أخذت بحذر أطروحات « الشافعي » لأنهم لا يريدون مراجعة أصولهم طبقا لنظريته ، مع أنهم في الوقت ذاته مضطرون إلى الاعتراف بصحة أصوله ، وهكذا حاولوا التوفيق بين أصولهم وأصوله بحيث قد تمّ ذلك بسهولة « 1 » . ونحن نرى أن الأحناف والمالكية لم يأخذوا بحذر أفكار الشافعي الأصولية ، لأنهم كانوا لا يبتعدون كثيرا عنه في هذه الأصول خاصة القرآن والسنّة . وإن كانوا متأخرين عنه بالنسبة إلى المصطلحات الفنية التي عبّر عنها « الشافعي » بدقة أكثر مما كانت معروفة لديهم . أما بالنسبة إلى الأصول الأخرى كالإجماع فإن المالكية وإن كانوا يعتدّون بإجماع أهل المدينة ويضعونه في المقام الأول فإنهم لا ينكرون إجماع علماء المسلمين . وبالنسبة إلى الأحناف فإنهم يعترفون بحجية الإجماع إذا توافرت شروطه . وهو الأمر الذي لا يختلفون فيه عن « الشافعي » كما أسلفنا القول فيه . أما بالنسبة إلى القياس فإن المالكية يأخذون بمفهوم الاستصلاح القريب من مفهوم الاستحسان لدى الأحناف والذي هو في حقيقته عبارة عن قياس أفصح عنه « الشافعي » وحدّده ، وقعّد القواعد التي تميزه عن غيره ، وأضفى عليه الصبغة الفنية الصرفة . ومن هنا يمكننا الاستنتاج بعدم وجود فوارق أساسية بين أصول هذه المدارس وأصول الشافعي حتى يمكننا القول : إنها أخذت أصوله بحذر شديد . وينتهي « كولسون » في نهاية تحليله لهذه المرحلة إلى نتيجة مفادها أن الخلاف
هامش
( 1 )Coulson , A history . . op . cit , pp . 71 - 72 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 389 | ساسي سالم الحاج