تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 388

مساهمون:

ص٣٨٨
وقبل أن نستطرد في إيراد أفكار « كولسون » حول تطور هذه المدارس الفقهية ، نود الإشارة إلى أن ما نسب إلى الإمام « ابن حنبل » من أحاديث جمعها في مسنده لا تتعدّى الستين ألفا . ومن هنا كان اعتباره من قبل العديد من فقهاء المسلمين محدّثا أكثر من كونه فقيها . أما بالنسبة إلى إحراق كتب ابن حزم في الأندلس فإن كان الظاهر لهذا الإحراق هو تأليب الفقهاء عليه ، وتحريضهم الأمراء ، وشكواهم من أنه يهاجم مالكا والأئمة الأربعة ، ويخرج على الناس بفقه لا يتصل بفقههم بنسب أو سبب ، فإن السبب الباطن لهذا العمل المزري المشين هي السياسة التي انغمس فيها « ابن حزم » إلى أذنيه في فترة من فترات حياته . فقد كان أبوه وزيرا ، وأصبح هو الآخر وزيرا ، ثم تقلّب في هذه الوظائف العالية طبقا لتقلب السياسة واختلاف أنظمة الحكم المتوالية ، فمرة وزيرا ، ومرة أخرى سجينا ، ومرة ثالثة منفيّا . وقد ألب عليه الساسة « أبا الوليد الباجي » الذي عاد من الشرق فناظره وتغلب « ابن حزم » عليه ولكن أولئك الساسة غلبوا الباجي عنوة عليه ، وهذا الانتصار لم يكن بالحجة والبرهان بمقدار ما كان بالقوة والسلطان . ولعل السبب الرئيس في إحراق كتبه ما شنّه « ابن حزم » من حملة شعواء على ملوك الطّوائف الذين يتحكمون في رقاب الأندلس . ووصفه إياهم بتلك الصفات المقذعة التي جاء في بعض منها :
ممّا يزهدني في أرض أندلس * أسماء مقتدر فيها ومعتضد ألقاب مملكة في غير موضعها * كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد
و « المعتضد » هذا الذي هجاه « ابن حزم » انتقم لنفسه منه أشد انتقام وأخبثه وأقذره على الإطلاق وذلك عندما أحرق كتبه بعد أن قال فيه هذا العالم العظيم : « أخلوقة لم يقع في الدهر مثلها ، فإنه ظهر رجل حضري بعد اثنتين وعشرين سنة من موت « هشام بن الحكم المؤيد » وادعى أنه هو ، فبويع له وخطب له على جميع منابر الأندلس في أوقات شتى ، وسفكت الدماء ، وتصادمت الجيوش في أمره » « 1 » . إن إحراق كتب « ابن حزم » ، وإحراق كتب « ابن رشد » وغيرهما قد هزّ وجداننا من الأعماق ، وهو الذي دعانا إلى هذا الاستطراد لأننا لا نجد جريمة أبشع من إحراق الكتب مهما كان قصد مؤلفيها ، ولكن الذي يسلونا عن ذلك ما قاله « ابن حزم » في الخصوص .
هامش
( 1 ) ابن حزم ، رسالة نقط العروس ، تحقيق الدكتور شوقي ضيف ، 1951 ، ص 83 .