طريق إنشاء إدارة للعدالة مستندة إلى المبادئ الظاهرية . ولكن يبدو أن هذه الحركة لم تنتج أدبا فقهيا فنيّا خاصا بها « 1 » .
ويبدو لنا أن أصول « ابن تومرت » لا تبتعد كثيرا عما رواه « شاخت » إلا في مسألة أخذه بالقياس ولو في حدود ضيقة .
ذلك أن نظرة الموحدين إلى الفقه لا تختلف عموما عن الأفكار والقواعد التي عبر عنها « الغزالي » بقوة في كتابه « إحياء علوم الدين » وخلاصة منهجهم إحلال المنهج العقلي لتقرير الأمور الشرعية بالدراسة المباشرة لأصول « القرآن والحديث » محل المنهج المتبع آنذاك في الشمال الإفريقي والأندلس وهو دراسة فروع المسائل الفقهية حسب مذهب الإمام « مالك » « 2 » .
وقد حدد « ابن تومرت » الأصول التي ينبغي على أتباعه تحصيلها - طبقا لمؤلفاته المجموعة في « أعز ما يطلب » المطبوع في الجزائر سنة 1903 م - بالحديث المرفوع إلى النبي ، ومعرفة السند ، ومعرفة نصّ الحديث ، وتمييز الصحيح من السقيم في هذا النصّ ومعرفة المعنى الحقيقي والمعنى المجازي . وهو في ذلك لم يخرج عن المنهج الذي اتبعه أئمة المذاهب الفقهية باستثناء التفسير المجازي باعتباره منهج العقليين .
أما بالنسبة إلى القياس أو الرأي الشخصي الذاتي ، فإن « ابن تومرت » أنكره إنكارا شديدا ويراه « ظنّا » ، والظن لا يفيد في علم الدين ، فهو لا يغني عن الحقّ شيئا ، وهو أيضا ، مع الجهل والشك ، مصدر للخطأ . ولهذا فهو ينافي العلم « 3 » .
ويظهر « جولدزيهر » في هذا الميدان عندما يقرر في مقدمة نشرة « لوسياني » لكتاب « ابن تومرت » : « أعز ما يطلب » « أن العنصر الجوهري في مذهب - ابن تومرت - المتعلق بأسس الفقه يمكن أن يتلخص في هذه القاعدة : « العقل ليس له في الشرع مدخل » ، أي أنه لا مجال للبرهان العقلي في قواعد الدين . والأصول الموضوعية المادية للشرع هي التي ينبغي أن تتخذ أساسا للتشريع - أي القرآن والحديث الصحيح وإجماع الأمة ، المؤسس على النقل المتواتر - وبهذا يستبعد نهائيّا
هامش
( 1 )Ibid , op . cit , p . 60 .( 2 ) ألفرد بل ، الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي ، ترجمة عبد الرحمن بدوي ، دار ليبيا للنشر والتوزيع ، بن غازي ، 1969 ، ص 274 .
( 3 ) المرجع السابق ، ص 275 .