وصلوا متأخرين استطاعوا إنشاء نظام مذهبي كامل النظام . واعتنقوا النظرية الفقهية « القديمة » التي لا تعتمد على السنّة فحسب ولكنها تستند أيضا إلى الإجماع ، كما إنهم معجبون بالقياس وقد رجعوا في ذلك إلى « ابن تيمية » الذي رفض الوظيفة العالمية لإجماع العلماء وأكد في الوقت ذاته القياس الذي حسنه على طريقته « 1 » .
وفي الوقت الذي ظهرت فيه حركة المحدّثين التي ولدت المدرسة الحنبلية أسس « داود بن خلف » المتوفى عام 270 هجرية المدرسة الظاهرية ، وهي المدرسة الوحيدة التي تدين بوجودها وباسمها لمبدأ نظرية فقهية . ذلك أنها تعتمد على ظاهر القرآن والسنّة ورفضت أي اجتهاد شخصي معتبرة إياه ضد المبادئ الدينية ، كما رفضت استخدام القياس أو الاستدلال الشخصي مهما كان نوعه . وتطبق هذه المدرسة المبادئ المجردة طبقا للنصوص الظاهرة دونما أخذ بعين الاعتبار لأية تطبيقات عملية . كما تعتبر إجماع الصحابة هو الإجماع الوحيد والصحيح شرعا وما عداه فهو باطل ولا تعتدّ به . إلا أن التفكير الفقهي الظاهري طبقا لما أبانت عنه كتابات « ابن حزم » يشابه في العديد من النقاط المذهب الحنبلي بصورة خاصة ومذاهب المحدّثين بصورة عامة .
ولكنه يعود بصورة أساسية إلى حرفية النصوص التي نجدها عند الخوارج ، وصعودا إلى القرن الأول الهجري وفي حركة المعتزلة العقدية في القرن الثاني الهجري « 2 » .
وهذا « ابن تومرت » المتوفى عام 524 هجرية والمؤسس الحقيقي للحركة الدينية والسياسية للموحدين في إفريقيا الشمالية يقول باستناد الفقه الديني إلى القرآن ، والسنّة والإجماع . وهذا المصدر الأخير يتحدد بإجماع الصحابة دون سواهم . ولكنه بالنسبة إلى السنّة فإنه يعطي الأفضلية « لعمل أهل المدينة » على الأحاديث . بحيث أصبح عمل أهل المدينة يجسّد حجته الأساسية ، وموطأ الإمام « مالك » مرجعه الرئيس . ويأخذ بالقياس في حدود ضيقة ، ويعارض بشدة علم الفروع الذي وضعته المدرسة المالكية والذي تدرسه وتطبقه سلطات المرابطين في إفريقيا الشمالية في عصره . كما يرفض في الوقت ذاته حجة المجتهدين ورؤساء المدارس الفقهية الأخرى التي عارضها بحجية « الإمام المعصوم » ويرى أن تقليدهم هو جهل مطبق . إن هذه النظرية ذات الجذور الظاهرية قد طورت خلال حكم أمير الموحدين الثالث « أبو يعقوب بن يوسف » عن
هامش
( 1 )Schacht , Introduction . . . ; op . cit , p . 59 .( 2 )Ibid , op . cit , p . 60 .