تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 382

مساهمون:

ص٣٨٢
المدينة . ومجمل قوله يتحدد في العدول عن قياس صارم إلى أمر فيه مصلحة معينة . واستند كذلك إلى ما رواه عن الحنابلة بأن الاستحسان لديهم اعتبار بعض القضايا جائزة استحسانا بالرغم من أنها ضد القياس . وكثيرا ما أسند « الشافعي » إلى العراقيين قولهم : القياس يقتضي كذا ولكننا نستحسن كذا ، أو القياس في هذه المسألة يقتضي كذا ، والاستحسان يقتضي كذا . بل ويذهب « شاخت » إلى أبعد من ذلك عندما يقرن الاستحسان بالاستصلاح عندما يقول : إن الاستحسان كان يأخذ بعين الاعتبار المصلحة العامة ثم تحوّل أخيرا عند المالكية إلى الاستصلاح « 1 » . والحقيقة أن الاستحسان ليس كما ذكر « شاخت » . وقد أسلفنا القول فيه ، ونضيف إلى ما ذكرناه أن هذا المصدر ليس من قبيل الرجوع إلى الرأي الشخصي والهوى والتلذذ كما فهم « الشافعي » ذلك . وهكذا دافع الحنفية عن هذا الأصل الذي يستند إلى أدلة شرعية باعتباره قياسا خفيت علّته لدقتها وبعدها عن الذهن الواقع في مقابل قياس ظهرت علته لتبادرها إلى الذهن أولا . وباعتباره كذلك استثناء مسألة جزئية من أصل عام لدليل خاص يقتضي هذا الاستثناء سواء أكان نصّا أم إجماعا أم ضرورة أم عرفا أم مصلحة أم غيرها . ومن هنا كان تنوع الاستحسان تبعا للدليل الذي يثبت به ، فأحيانا يكون استحسانا بالنص كالوصية فإنها تمليك مضاف إلى زمن زوال الملكية ، وهو ما بعد الموت ، والقياس أن القاعدة المقررة في التمليك أنه لا يجوز أن يضاف إلى زمن زوال الملك ، ومقتضى ذلك بطلان الوصية وعدم جوازها ، ولكنها استثنيت من ذلك استحسانا للنص الوارد بجوازها ، وهو قوله تعالى :
مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ
وقوله الرسول : « إن اللّه تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم ليجعلها لكم زيادة في أعمالكم » « 2 » . وأحيانا يكون الاستحسان بالإجماع وذلك عندما يفتي المجتهدون في حادثة على خلاف الأصل العام أو القاعدة المقررة في أمثالها . ومثال ذلك أن الاستحمام في الأماكن العامة غير محددة الأجرة أو الماء المستهلك أو مدة البقاء فيها . فالقياس في هذا المثال يقتضي عدم جوازه لجهالة الأجرة والماء والمدة والجهالة من الأمور التي تفسد العقد ، ولكنه جاز استحسانا لعدم إنكاره من أهل العلم ، فكان هذا إجماعا منهم على الجواز « 3 » .
هامش
( 1 )Ibid , op . cit , Marge , p . 111 .( 2 ) زكي شعبان ، أصول الفقه الإسلامي ، المرجع السابق ، ص 158 . ( 3 ) المرجع السابق ، ص 160 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 382 | ساسي سالم الحاج