تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
وأحيانا يكون الاستحسان بالضرورة والحاجة . فقد مثل الفقهاء له بطهارة سؤر سباع الطير كالصقر والنسر والغراب والحدأة ، لأن هذه الحيوانات تأكل النجاسات ومناخيرها لا تخلو منها فيتنجّس الماء الذي تشرب منه فحكم العلماء بطهارة سؤرها استحسانا رعاية لضرورة سكان الصحارى على الشرب من تلك المياه « 1 » . وأحيانا يكون الاستحسان بالقياس الخفي ، وبالعرف والمصلحة . وكل ذلك استنادا إلى نصوص ثابتة . وبالتالي فإن هذا الأصل لا يرجع فيه إلى التلذذ والهوى كما قال « الشافعي » ، وليس ابتغاء مصلحة عامة مقابل قياس صارم كما قال « شاخت » . يستطرد « شاخت » في بيان تطور الفقه الإسلامي طبقا لمفاهيم المدارس الفقهية اللاحقة للمدارس القديمة . ويرى أن المذهب الفقهي الذي أعدّه « الشافعي » وطوره وقعّد له القواعد الأصولية لم يرض أهل الحديث الذين يأخذون بحرفيته . نعم لقد استند المذهب « الشافعي » إلى سنّة النبي ولكنه اعتمد على منهجية غاية في التطور قامت على الاستدلال والنظر الشخصيين وعلى القياس بمعناه الفني . أمّا أهل الحديث فإنهم يفضلون عدم استخدام الاستدلال الإنساني في المجال الفقهي واختاروا بقدر الإمكان الاستناد في أي نقطة في مذهبهم إلى « حديث الرسول » . ولذلك فهم يفضلون « الحديث الضعيف على القياس الجلي » . وهكذا تكاثر عددهم غير أنهم لم يستطيعوا تغطية جميع الحوادث المستجدة بالأحاديث الفقهية فلجئوا إلى الاستدلال الشخصي بحذر ورويّة قصروه على المسائل الأخلاقية ، وكان مختلفا تمام الاختلاف عن التفكير الفقهي المنظم الذي ابتدعه « الشافعي » ووصل به إلى حدّ الكمال من الناحية الفنية . وأول من عبّر عن هذا الاتجاه الإمام « أحمد بن حنبل » وأكمله من بعده أتباعه . لقد اعتبرت المدارس الفقهية الأخرى « أحمد بن حنبل » وأتباعه ليسوا أهل مدرسة فقهية ولكنهم محدّثون . ثم أصبحوا ذوي مدرسة فقهية بعد ذلك ، وبالرغم من قلتهم قياسا بالمدارس الفقهية الأخرى ، فإن هذه المدرسة ضمّت بين صفوفها نسبة مدهشة عالية من العلماء من الطراز الأول في جميع مناحي العلوم الإسلامية . ويبدو أن هؤلاء المحدّثين الذين ظهروا في القرن الثالث الهجري لم يعيروا اهتماما كبيرا للنظرية الفقهية سوى ما يتعلق بالفكرة العامة بحجية الأحاديث ، غير أن علماء الحنابلة عندما
هامش
( 1 ) عبد الوهاب خلّاف ، علم أصول الفقه ، المرجع السابق ، ص 81 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 383 | ساسي سالم الحاج