تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
طبيعية لمقدماتهم المنطقية الخاصة بهم التي يجب عليهم بالتالي قبولها . ولكن قبول فكرة « الشافعي » تعني قطع العلاقة مع مدرسة المدينة بل ومع جميع المدارس الفقهية القديمة الأخرى . وهكذا يعتبر « الشافعي » أول مؤسس لمدرسة فقهية لا تستند إلى العوامل الجغرافية بمقدار ما تستند إلى شخصية مؤسسها . ولكن كثيرا ما عبّر « الشافعي » عن عدم رغبته في تأسيس مذهب فقهي خاص به ، وأن آراءه الشخصية لا تعني شيئا ، وأنه مستعد دوما لتعديلها إذا كانت متعارضة - دون علمه - مع الأحاديث النبوية . وهكذا كتب أحد أتباعه المباشرين « المزني » كتابه « المختصر » كمختصر لمذهب الشافعي والذي قرر فيه أن هذا الأخير قد منع أي شخص من تقليده هو أو غيره . غير أن الحركة المذهبية التي فجرها « الشافعي » اعترف بها كمذهب خاص به ، ووضع على قدم المساواة مع المذهبين الحنفي والمالكي على حدّ سواء « 1 » . وعندما يتعرض « شاخت » لجهود « الشافعي » في تطوير الفقه فإنه يرى أن سبب شهرته لا تعود إلى وضعه لعلم أصول الفقه لأن هذا العلم قد تطور وأصبح أكثر تنظيما مما قام به « الشافعي » في القرن الثالث الهجري . ولكن شهرة « الشافعي » - حسب قوله - تعود إلى أنه رفض إجماع العلماء المجتهدين وجسّد السنّة الحية للمدارس الفقهية القديمة لكي يستطيع اتباع سنّة النبي دونما تحفّظ ، وحدد مفهوم الإجماع في الأمة الإسلامية أجمعها . ذلك أن النظرية القديمة كانت تعتبر إجماع العلماء معصوما من الخطأ شأنه في ذلك شأن إجماع الأمة الإسلامية قاطبة . والسبب في ذلك كما يقول « شاخت » أن « الشافعي » عندما وسّع من مفهوم « سنّة النبي » فإنه أراد أن يضعها في المقام الأول قبل إجماع العلماء ، ومن هنا كان تفريقه بين « السنّة » وبين محتوى الأحاديث المرفوعة إلى الرسول . وهكذا أصبحت هذه الأحاديث تكوّن القاعدة الأساسية للفقه والتي يجب تحديدها من قبل « إجماع العلماء » . وهو الأمر الذي حدا بمثل كل مدرسة فقهية حرية تحديدها عن طريق التفسيرات وغيرها . ومن ثمّ فإن مبادرة « الشافعي » لإحلال السنّة المرفوعة إلى الرسول محلّ السنّة الحيّة والإجماع باعتبارها أعلى حجة فقهية كانت سريعة الزوال بالنسبة إلى نتائجها . طالما أن المدرسة الشافعية ذاتها وجب عليها قبول تغيير النظرية الفقهية لمؤسسها ، وهو الأمر الذي يلمس منه
هامش
( 1 )a ) Schacht , Introduction . . . ; op . cit , p . 56 . b ) Schacht , The origins . . . ; op . cit , pp . 6 - 9 - 321 .