تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
اعتراف « الشافعي » بالسنّة كمصدر مكمّل للقرآن في التعرّف بالإرادة الإلهية هو أهم مساهمة قدمها هذا الفقيه للتشريع الإسلامي . وهو إذ فعل ذلك فإنما قضى على أساس الاختلاف حولها طبقا لما ذهبت إليه المدارس الفقهية القديمة التي تعتبر « السنّة » المرويات الخاصة بمدرسة معينة . وهكذا حلّ « الشافعي » مفهوم السنّة النابعة من معين واحد محلّ المرويات المتداولة في الأمصار المختلفة فيما بينها باختلاف منشئها إلى اقتلاع سبب الخلاف بين المدارس الفقهية وبثّ الوحدة في النظر التشريعي ، وباختصار فإن « الشافعي » يذهب إلى أن هناك لونا واحدا من المرويات هو الذي يصح أن يكون إسلاميّا أصيلا « 1 » . ولم تقتصر مساهمة « الشافعي » بالنسبة إلى السنّة على هذا المقدار فحسب ولكنه أضاف إليها بعدا آخر عزّز من مكانتها التشريعية عندما اعتبرها مفسرة للقرآن ومبيّنة له . ولعب دورا أساسيّا في إزالة التعارض بين نصوص الأحاديث التي قد تبدو متعارضة - والتي أشرنا إليها في فقرة سابقة - ويمكن تلخيصها هنا باعتبار أحد الحديثين المتعارضين تخصيصا للحكم العام الوارد في الحديث الآخر ، فإن لم يتيسر هذا فيرجّح أحدهما على الآخر بقوة إسناده فإن تساويا في قوة الإسناد فيفترض نسخ الحديث المتقدم بالحديث المتأخر عنه . أما إذا حصل تعارض ظاهري بين القرآن والسنّة فإن « الشافعي » - كما رأينا - لا يذهب إلى نسخ القرآن للسنّة ولا إلى نسخ السنّة للقرآن . لأنه لا ينسخ القرآن إلّا القرآن وكذلك بالنسبة إلى السنّة التي لا تنسخها إلّا سنة مثلها . فالسنّة - حسب قوله - لا تنسخ القرآن ، لأن وظيفتها تفسيره لا معارضته ، كما لا ينسخ القرآن السنة لأن في ذلك إبطالا لدورها في تفسيره ، ويقرّر « الشافعي » أن القرآن لو عارض سنّة سابقة عليه لجاءت عن النبي سنّة أخرى تتفق مع الوحي اللاحق « 2 » . وثالث مصدر للأصول عند « الشافعي » هو « الإجماع » ، ويراه « كولسون » إجماع العامة لا إجماع الفقهاء المجتهدين في الأقطار الإسلامية . وهذا المفهوم ليس صحيحا إطلاقا كما أسلفنا القول فيه . « الشافعي » لم يقصد بإجماع المسلمين ذلك الذي يتمثل في اتفاقهم كافة سواء الفقهاء والعوّام ، وذلك بالرجوع إلى نص « الشافعي » ذاته الذي أشرنا إليه والذي يعبّر صراحة عن إجماع الفقهاء المجتهدين لا عن إجماع أمة
هامش
( 1 )Ibid , op . cit , p . 57 .( 2 )Ibid , op . cit , p . 58 .