تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
المدارس التي تكونت على أساس شخصية مؤسسيها وأتباعهم قد اكتملت في منتصف القرن الثالث الهجري . وهو تطور طبيعي ومنطقي ابتدأ داخل كل مدرسة فقهية وعجّل به نشاط الإمام الشافعي « 1 » . احتل « الشافعي » مكانة مرموقة لدى المستشرقين ، واعتبروه المؤسس الفعلي لعلم أصول الفقه الذي كان العامل الرئيس لتطوير علم الفقه والدفع به دوما إلى الإمام لمواجهة كلّ المستجدات الطارئة على الحياة الإنسانية ، والتي يجد الفقه عن طريقه المنهج العلمي لمواجهة هذه المستجدات في أي زمان ومكان . والمطلع على ما كتبه المستشرقون حول هذه الشخصية الإسلامية المتميزة يستغرب من تقديرهم له ، وثنائهم عليه ، واعترافهم بفضله في تطوير الفقه . فها هو « كولسون » يصفه ب « الأستاذ المهندس لعلم « الأصول » ، ويراه أنه - لدراسته العميقة ومعرفته الوثيقة لمدارس المدينة والعراق وسوريا - استطاع بما له من اتساع نظر ، وعمق إدراك أن يضيف جديدا إلى التفكير الفقهي . واعتبره أيضا بأنه ظهر إلى المسرح كفارس عصره الذي تطلّع إلى حلّ ما تعقّد من خيوط الجدال المتشابكة ، وقدم حلّا أقام النظام مقام الفوضى السائدة « 2 » . ويرى « كولسون » أن عظمة « الشافعي » تتمثل في وضع علم أصول الفقه واصفا علمه في هذا المجال بالعظم والإبداع الذي لا يبارى في تاريخ التشريع الإسلامي . وقد انطلق من ذلك لتحقيق وحدة الفقه ، والابتعاد عن الاختلافات التي تفرق من وحدته فأقام نظرية متجانسة تحدد المصادر التي تستنبط منها الأحكام الفقهية وذلك طبقا لما دبجه في رسالته التي تحتوي على الأسس الناضجة لنظرية الأصولية « 3 » . ويستطرد « كولسون » في إيراد أصول الفقه الأساسية للإمام « الشافعي » طبقا لما أسلفنا ذكره في المباحث السابقة . ولكنه يحدد بعض خصائص هذه المصادر كالقرآن الذي لم يقتصر فقط على بيان القوة الملزمة لأحكامه التشريعية ولكنه أشار إلى وسائل تفسير هذا القدر من الأحكام والبناء عليها واستخلاص مصدر آخر يليها وهي السنّة النبوية باعتبارها المصدر الثاني للفقه بعد كلام اللّه مباشرة ، ولعلّ أهم خاصية أطلقها على السنّة الثابتة أنها موحاة إلى النبي من اللّه شأنها في ذلك شأن القرآن . وهكذا فإن
هامش
( 1 )Ibid , op . cit , p . 55 .( 2 )Coulson , A history . . . ; op . cit , p . 53 .( 3 )Ibid , op . cit , p . 55 .