تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
وعلى لسانه ثم يكون ذلك من إمام آخر آخر الدهر إن شاء اللّه » « 1 » . ويستنتج « شاخت » من نصّ الرسالة التي نقلناها لك من « ابن المقفع » ذاته أنه يحق للخليفة أن يصدر أوامر ملزمة للإدارة المدنية والعسكرية وبصورة عامة في كل ما يتعلق بأمور مما لا سوابق فيها إلا أنه يجب عليه الاستناد في ذلك إلى القرآن والسّنّة . ولكن هذه السنّة - طبقا لرأي ابن المقفع - ليست تلك المستندة إلى السنّة الصحيحة المروية عن الرسول والخلفاء الراشدين . وإنما يقصد بها التنظيمات الإدارية للحكومة الأموية ، وبناء عليه فإن الخليفة يكون حرّا في تحديد وتدوين السنّة طبقا لما يراه مناسبا « 2 » . لم يتعرض « شاخت » إلى المنهج الذي اقترحه « ابن المقفّع » لتدوين الأحكام والسير وتوحيدها منعا للخلاف فيها . وهذا المنهج نراه يتحدد في عدة معايير منها : النظر إلى أحق الفريقين بالتصديق وأشبه الأمرين بالعدل فيؤخذ به ويترك سواه ، ومنها : إذا كان سبب الخلاف يرجع إلى استنباط الأحكام بطريقة القياس ، فإنه يجب الرجوع إلى القياس الذي يستدل به على المحاسن ، فإذا كان ما يقود إليه حسنا معروفا أخذ به ، وإذا قاد إلى القبيح المستنكر ترك « 3 » . ويرى « شاخت » أن « ابن المقفّع » كتب رسالته هذه في عهد حاولت فيه الدولة العباسية أن تجعل من القانون الإسلامي هو القانون الأوحد للدولة ، ولكن في الوقت الذي بدأ فيه هذا القانون في التكوّن ، فإن الدعاية الثورية التي حملت العباسيين إلى سدة الحكم تزامنت مع تلك الدعاية المسرفة الداعية إلى تكوين « دولة إلهية » مستندة إلى « بيت النبي » . وهكذا فإن مرافعة « ابن المقفّع » الداعية إلى سيطرة الدولة على القانون كانت متناسبة مع الاتجاه السائد في بداية العصر العباسي . ولكن ذلك كان مرحلة مؤقتة لأن الإسلام الأرثوذوكسي رفض الانضواء تحت لواء الدولة العباسية في مجال القانون ، ثم إن السلطة المطلقة التي مارسها الخلفاء والولاة والسلاطين ومن في حكمهم في تعيين وعزل القضاة لم تستطع تعويض غيابهم عن مراقبة القانون ذاته . وقد نتج عن ذلك ابتعاد الفقه الإسلامي عن التطبيقات العملية ، ولكنه اكتسب بمرور الزمان
هامش
( 1 ) ابن المقفع ، المرجع السابق ، ص 354 . ( 2 )Schacht , Introduction . . . ; op . cit , p . 53 .( 3 ) ابن المقفع ، رسالة في الصحابة ، المرجع السابق ، ص 354 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 373 | ساسي سالم الحاج