تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
سلطة فعالة من الناحية المادية والمعنوية على المسلمين . وبعد أربعين سنة من كتابة « ابن المقفّع » رسالته للمنصور دبّج « أبو يوسف » كتابه « الخراج » ل « هارون الرشيد » وبمقابلة النصين يتضح لنا سرعة تطور الفقه الإسلامي خلال القرن الثاني الهجري « 1 » . وهكذا نصل بعد العرض الآنف بيانه إلى تطور الفقه عند المدارس الفقهية اللاحقة للمدارس القديمة لنبين كيفية تطوره في هذه المرحلة والخصائص التي تميز بها ، ومساهمة الإمام « الشافعي » في الدفع به خطوات كبيرة إلى الأمام . لقد تحولت المدارس الفقهية القديمة في العصر العباسي الأول والتي تعود نشأتها إلى التقسيمات الجغرافية إلى نوع جديد من المدارس الفقهية لا تستند إلى التقسيمات الجغرافية بقدر استنادها إلى أسماء مؤسسيها . ذلك أن المتخصصين بالعلوم الدينية في كل وحدة جغرافية من الأجزاء الرئيسة للعالم الإسلامي طوّروا حدّا أدنى من التوافق المذهبي . وفي منتصف القرن الثاني الهجري فإن الأفراد بدءوا يتبعون الخطوط العريضة للمدارس الفقهية المعروفة مع احتفاظهم بحق الانفصال عن رؤساء تلك المدارس في تفاصيل أية نقطة فقهية معروضة للنقاش بدلا من تأسيس مدرسة فقهية خاصة بهم . وقد قاد هذا الاتجاه في بداية أمره إلى تكوين مجموعات متجانسة ومتميزة داخل كل مدرسة فقهية رئيسة . وهكذا وجد داخل المدرسة الفقهية العراقية بالكوفة مجموعة « أتباع أبي حنيفة » التي تضم « أبا يوسف والشيباني » . ولكن بالإضافة إلى ذلك فإن لأبي يوسف أتباعه . وحدث الشيء ذاته في مدرسة المدينة ، فهناك أتباع الإمام « مالك » ، الذين يعتبرون كتابه « الموطأ » المرجع الوحيد لهم ، لقد كانوا في البداية يمثلون قسما من أهل المدينة ، ونفس الشيء كان بالنسبة إلى أتباع أبي حنيفة في الكوفة . ولكن نظرا للنشاط التأليفي لأتباع « أبي حنيفة » خاصة الشيباني في العراق ، وأتباع « مالك » في إفريقيا الشمالية بالاشتراك مع عوامل أخرى بعضها طارئ ، قاد الغالبية الكبرى لمدرسة الكوفة القديمة إلى التحوّل إلى مدرسة الأحناف ، والمدرسة القديمة للمدينة إلى المدرسة المالكية ، وكونت مدارس البصرة ومكة القديمة مع مجموعة أخرى من مدرسة الكوفة مدرسة سفيان الثوري . أما المدرسة السورية القديمة فقد تحولت أيضا إلى مدرسة الأوزاعي التي لم يكتب لها البقاء طويلا . وهكذا فقد تحولت المدارس الفقهية القديمة إلى مدارس « شخصية » إلّا أن
هامش
( 1 )Schacht , Introduction , op . cit , p . 53 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 374 | ساسي سالم الحاج