تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
الحكم ، أو عند التثبت من أنهم لا يحترمون أصول مهنتهم ، ويسيئون إلى سمعتهم . ومن هنا فإن اقتصار هذا الأمر على الدولة الإسلامية خاصة في هذا العصر الذي نؤرّخ له لهو نوع من التجافي عن الحقيقة ، وانحراف عن الأحكام العلمية الصارمة ، وتزوير للوقائع التاريخية الثابتة . ويتعرّض « شاخت » أخيرا إلى كيفية تطور الفقه الإسلامي في هذه المرحلة ، والتي تتميز بمحاولة تقنينه وتدوينه . وعزا هذا الفضل في بدايته إلى « ابن المقفع » الذي دبّج رسالته في الصحابة إلى « أبي جعفر المنصور » في أواخر أيامه ، وذلك عندما لاحظ اختلاف الفقهاء والقضاة في الفتاوى والأحكام التي يصدرونها . وقد ورد فيها « ومما ينظر أمير المؤمنين فيه من أمر هذين المصرين وغيرهما من الأمصار والنواحي اختلاف هذه الأحكام المتناقضة التي قد بلغ اختلافها أمرا عظيما في الدماء والفروج والأموال ، فيستحلّ الدم والفرج بالحيرة ، وهما يحرمان بالكوفة ، ويكون مثل ذلك الاختلاف في جوف الكوفة فيستحل في ناحية منها ما يحرّم في ناحية أخرى ، غير أنه على كثرة ألوانه نافذ المسلمين في دمائهم وحرمهم يقضي به قضاة جائر أمرهم وحكمهم مع أنه ليس مما ينظر في ذلك من أهل العراق وأهل الحجاز فريق إلا قد بحّ بهم العجب بما في أيديهم والاستخفاف ممن سواهم فأقحمهم ذلك في الأمور التي يغضب لها من سمعها من ذوي الألباب » « 1 » . وعندما لاحظ « ابن المقفّع » هذا الاختلاف في الأحكام في الأقطار الإسلامية بل وفي قطر واحد بعينه ، اقترح على الخليفة المنصور - كحلّ لهذا الإشكال الناجم عن الأحكام القضائية المختلفة ، والاجتهادات الفردية والاختلاف بين المدارس الفقهية - أن تجمع هذه الأحكام والسير ويراجعها الخلفاء على التوالي ، ويقرّر الخليفة لوحده ما يراه بشأنها « فلو رأى أمير المؤمنين أن يأمر بهذه الأقضية فترفع إليه في كتاب ويرفع معها ما يحتج به كل قوم من سنّة أو قياس ، ثم نظر أمير المؤمنين في ذلك ، وأمضى في كل قضية رأيه الذي يلهمه اللّه ويعزم له عليه ، وينهى عن القضاء بخلافه وكتب بذلك كتابا جامعا لرجونا أن يجعل اللّه هذه الأحكام المختلطة الصواب بالخطإ حكما واحدا صوابا ، ورجونا أن يكون اجتماع السير قربة لإجماع الأمر برأي أمير المؤمنين
هامش
( 1 ) ابن المقفّع ، رسالة في الصحابة ، منشورة في كتاب « آثار ابن المقفع » ، منشورات دار مكتبة الحياة ، بيروت ، ص 353 ، بدون تاريخ ،