الادعاء في حقيقة أمره عبارة عن وهم تمّ المحافظة عليه أطول مدة ممكنة حتى عندما تتناقض أو تتطاول على القوانين المقدسة « 1 » .
ونحن نرى أن ما ذهب إليه « شاخت » في الفقرة السابقة فيه كثير من الغلو ، وعدم الحقيقة . فلم يدّع الخلفاء الراشدون ولا الأمويون وبالتالي العباسيون التشريع في المسائل الفقهية خاصة تلك الثابتة بالقرآن والسنّة الصحيحة . ولكنهم اجتهدوا دوما كما رأينا في مباحث سابقة - لإيجاد الحلول الشرعية للمسائل المطروحة أمامهم التي لم ينصّ عليها القرآن أو السنّة . حتى إن « عمر بن عبد العزيز » الذي استشهد « شاخت » بمقالته قد بيّن صراحة أنه يحق للخليفة الاجتهاد برأيه في المسائل التي لا نصّ من قرآن أو سنّة فيها . وبالتالي فإنه لم يكن وهما ما صرح به دوما أولئك الحكام السياسيون من أنهم لا يقومون بمهمة التشريع ، ولكنهم يقتصرون على تفسير الأحكام وتطبيقها والعمل على احترامها . ولم نر أحدا منهم أصدر تشريعات دينية إسلامية تتنافى والشريعة الإسلامية . ولكن كل ما يمكن أن يسند إليهم قيامهم بتفسير تلك النصوص الثابتة تفسيرات وتأويلات قد تخرجها عن مضامينها الحقيقية . يضاف إلى ذلك أنه لا يمكن مقابلة الأوضاع التشريعية والإدارية في ذلك الزمن بما هو معروف لدينا في الوقت الحاضر من الفصل بين السلطات ، باعتبارها مفهوما غربيّا حديثا أثبتت التجارب الحديثة غالبا عدم جدواه . وإذا ذهبنا أبعد من ذلك وفحصنا الحوادث التاريخية بدقة رأينا أن القضاة المسلمين كانوا مستقلّين في قضائهم إلى أبعد الحدود ، وكانوا يتمتعون باحترام كبير أمام الخلفاء والولاة وأصحاب الإدارة الإسلامية ، وكانت لأحكامهم القدسية المطلقة في تنفيذها ، وكثيرا ما قرأنا عن تلك القضايا التي حكم فيها لمصلحة الرعية ضد الأمراء وأبناء الخلفاء ، وقد تعزّز هذا المفهوم إبّان ازدهار الدولة الإسلامية ، وتمّت المحافظة عليه حتى إبّان انهيارها واضمحلالها . أما فيما يتعلق بحق الخلفاء أو قاضي القضاة بعزل القضاة متى عنّ لهم ذلك فإننا نجد هذا التطبيق معمولا به حتى في أكثر البلدان الحديثة ادعاء للديمقراطية ، فكم من قضاة عزلوا في المجتمعات الغربية الحديثة لأنهم أصدروا أحكاما قضائية لا تتفق واتجاهات الساسة والحكّام فيها . وكم من قضاة نكّل بهم ونقلوا إلى أماكن نائية لأن أحكامهم لا تتفق والسياسة العامة للدولة التي يتبعونها . وكم من تصفيات تحدث لرجال القضاء عند حدوث تغييرات في أنظمة
هامش
( 1 )Ibid , op . cit , p . 52 .