تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 370

مساهمون:

ص٣٧٠
الفارسية « ديوان المظالم » الذي ينظر في الشكاوى الناجمة عن الأخطاء القضائية ، أو الامتناع عن النظر في الدعاوى وأية أعمال قضائية أخرى يزعم أنها ليست شرعية كما ينظر في صعوبة تنفيذ الأحكام القضائية الناجمة عن تدخل موظف الدولة أو الأفراد المتنفّذين . وهكذا تكوّنت مع مرور الأيام محاكم نظامية تنظر في هذه المظالم خاصة فيما يتعلق « بالملكية » وهو الاختصاص المنوط نظريّا بالقاضي العادي . وقد أدّى هذا التضارب في الاختصاص إلى التنافس بين النظامين ، كما يدل على انهيار سلطات القضاء المبكرة « 1 » . وكما استمدت الدولة العباسية « ديوان المظالم » من النظام الفارسي استمدت كذلك وظيفة « مفتش الأسواق » من النظام البيزنطي . وقد صبغته الدولة العباسية بالصبغة الإسلامية طبقا للأحكام القرآنية التي تدعو إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وقد اكتسبت هذه الوظيفة تسمية « المحتسب » بدلا من « مفتش الأسواق » . وبالرغم من أهمية هذه الوظيفة التي ما زالت نظريّا معمولا بها إلى يومنا هذا في بعض البلدان الإسلامية فإنها فقدت أهميتها وفعاليتها منذ زمن موغل في القدم طالما لم تعد اختصاصاتها متفقة والقوانين الإسلامية الصارمة « 2 » . ولعل أهم ما يتميز به الفقه الإسلامي في هذه المرحلة عدم أحقية الخليفة إصدار التشريعات . ذلك أنه بالرغم من اعتباره الحاكم المطلق للمجتمع الإسلامي فإنه لا يتمتع بسلطة التشريع . ولكنه يصدر القرارات الإدارية في حدود الشريعة المقدسة . هذا الاتجاه الذي يمكن نسبته إلى الماضي - خاصة زمن الدولة الأموية بعد أن رفض « عمر بن عبد العزيز » أي دور للخلفاء في الاجتهاد بالرأي في القضايا المنصوص عليها في القرآن أو في السنّة الصحيحة - فإنه يخفي في حقيقته ما قام به خلفاء المسلمين بالمدينة وخاصة حكّام بني أمية الذين تدخلوا بفعالية في تكوين الفقه الإسلامي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة . وقد قاد هذا الاتجاه إلى عدم الفصل بين السلطتين الإدارية والقضائية ، علما بأن الخلفاء اللاحقين وبعض الولاة العلمانيين كثيرا ما أصدروا قوانين جديدة . أما فيما يتعلق بالتشريع فإن الساسة كثيرا ما يفسرون تدخلهم فيه بأنه عبارة عن تطبيق أحكام الشريعة ووضعها موضع التنفيذ في حدود سلطتهم السياسية . ولكن هذا
هامش
( 1 )Ibid , op . cit , p . 50 .( 2 )Ibid , op . cit , p . 51 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 370 | ساسي سالم الحاج