تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
لتحقيق ذلك فحسب ولكنهم أصبحوا غير قادرين على مواصلة هذه الجهود « 1 » . لقد نجح العباسيون - كما يقول شاخت - في إيجاد ترابط مستديم بين عمل القضاة والشريعة الإسلامية . وقد مهد لهذا الاتجاه بداية من العصر الأموي ، ولكن هذا الاتجاه قد تأكد نهائيّا في العصر العباسي حينما أصبح من شروط القاضي أن يكون متخصصا بالشريعة الإسلامية . فهو لم يعد في هذا العهد مجرد « كاتب عدالة » للحكومة . لأنه أصبح يعين من قبل الحكومة المركزية مباشرة ، ومنذ تعيينه في هذا المنصب وحتى عزله عنه فإنه يطبق فقط الشريعة المقدسة بدون تدخّل من الحكومة . إلا أن هذا الاستقلال يظل نظريّا من الناحية الواقعية . ذلك أنه كلما ازداد استبداد الحكام العباسيين أصبحت السلطة الزمنية أقل استعدادا للسماح بوجود نظام مستقل استقلالا حقيقيّا عنها . ومن ثمّ فإن القضاة لم يعودوا قابلين للعزل طبقا لمشيئة الحكومة المركزية فحسب ولكنهم أصبحوا يعتمدون على السلطة السياسية لتنفيذ أحكامهم ، الأمر الذي يكتسب أهمية خاصة في إدارة العدالة الجنائية « 2 » . إن الاتجاه المركزي للعباسيين الأوائل الذي قادهم إلى تعيين القضاة من قبل السلطة المركزية قادهم كذلك إلى إنشاء منصب قاضي القضاة ، الذي كان في الأصل عبارة عن وظيفة شرفية تمنح لقاضي العاصمة الذي يستشيره الخليفة عادة حول إدارة العدالة . وأول من تقلّد هذا المنصب « أبو يوسف » الذي عينه فيه « هارون الرشيد » ، وهو لم يقتصر على استشارته في المسائل المالية والفقهية فحسب ولكنه كلّف بتعيين قضاة الأقاليم أيضا . وهكذا أصبح قاضي القضاة أهم مستشاري الخليفة ، كما أصبح تعيين القضاة وعزلهم أهم عمل أنيط به . ويعتقد « شاخت » أن الأهمية التاريخية لهذا المنصب كان نصيبها الإهمال من قبل منظري الفقه الإسلامي لأن أصله يعود إلى وظيفة « موباذان » الفارسي . وإدخاله من ضمن الأنظمة الإدارية الإسلامية في الفترة المبكرة للدولة العباسية قد توافق دون نقاش مع العناصر الفارسية الدخيلة . وقد أشار المؤلّفون العرب القدماء إلى هذا التماثل القائم بين النظامين « 3 » . ويرى « شاخت » - كما أشرنا آنفا - أن الدولة العباسية استمدت من الأنظمة
هامش
( 1 )Schacht , op . cit , p . 49 .( 2 )Ibid , op . cit , p . 50 .( 3 )Ibid , op . cit , p . 50 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 369 | ساسي سالم الحاج