ظهر الرجل المناسب تماما للقيام بهذا الدور ألا وهو « محمد بن إدريس الشافعي » « 1 » .
وقبل أن نتطرق إلى دور الإمام « الشافعي » الفعّال في التوفيق بين المدرستين الحجازية والعراقية ، وعمله الخلاق في إنشاء علم أصول الفقه الإسلامي وجعله صالحا للتطبيق في كل زمان ومكان ، يجدر بنا أن نشير إلى كيفية تطور هذا الفقه إبّان الدولة العباسية في عهدها الأول طبقا للتسلسل الزمني حتى نتمكن من إبراز خصائصه في هذه المرحلة ، ونتعرّف بالتالي إلى كيفية تطوّره وندرس بعمق المدارس الفقهية المتأخرة عن المدرستين الرئيستين السابق الإشارة إليهما لنصل في النهاية إلى « الشافعي » ونبيّن دوره الأساسي والمبدع في هذا المجال .
بعد سقوط الدولة الأموية تحت ضربات العباسيين عام 132 ه تحدّدت المعالم الرئيسة للفقه الإسلامي في نهاية ذلك العهد . وكان المجتمع الإسلامي يتمتع بنظام قانوني مرض . وكان العباسيون الأوائل احتفظوا بالطابع الإسلامي للقوانين السارية ، ودفعوا بها دفعات قوية إلى الأمام ، ولكي يظهر العباسيون في أعين المسلمين اختلافهم عن النظام السياسي السابق لعهدهم ، فقد حاولوا التميّز عنهم في جميع مناحي الحياة لهذه الأسباب السياسية والعائلية فأفصحوا عن نيّتهم لتأسيس دولة اللّه على أرضه .
ولتطبيق هذه السياسة فقد اعترفوا بالقانون الديني طبقا لتعاليم المسلمين الثقات الورعين المتخصصين كقاعدة وحيدة مقبولة في الإسلام . وحاولوا تطبيق نظرياتهم المثالية على الوقائع ، فأخذوا يستميلون بانتظام العلماء المتخصصين بالفقه الإسلامي ويأتون بهم إلى بلاطهم ، ويستشيرونهم في القضايا التي تدخل ضمن اختصاصاتهم .
فالكتب التي دبجها « أبو يوسف » بناء على طلب الخليفة « هارون » في القانون المالي والجنائي وغيرها من المواضيع ذات العلاقة بهما ، والتي وصلت إلينا تعكس هذا الاتجاه الذي سلكته الدولة العباسية . غير أن الحكام العباسيين الأوائل ومستشاريهم الدينيين كانوا غير قادرين على استمالة المجتمع الإسلامي بكامله إلى جانبهم . يضاف إلى ذلك أن الخلفاء أنفسهم لم يكونوا صادقين في ترجمة المثل الدينية إلى وقائع حقيقية . وهكذا ظهر جليّا إلى العيان أن حكم اللّه على الأرض الذي حاول العباسيون الترويج له ما هو إلا تغطية لاستبدادهم والذي لا حدود له . وهكذا لم يستطيعوا تحقيق الهوية المستديمة للفقه بين النظرية والتطبيق . وهكذا فإن خلفاءهم لم يفتقدوا الإرادة
هامش
( 1 )Ibid , op . cit , p . 52 .