- كما عرف عنه - إلى أنه من حق الواقف الاحتفاظ بحقه في الانتفاع بغلة الموقوف مدى حياته « 1 » .
وأخيرا فسّر « كولسون » تحول مدرستي الحديث والرأي إلى الإمام « مالك وأبي حنيفة » على التوالي بناء على تدوين الكتب الفقهية . وهو تفسير لا يستند إلى أسس صحيحة . فإذا كان الأمر محتملا بالنسبة إلى الإمام « مالك » لأنه دون موطّئه ، فإن الأمر يختلف بالنسبة إلى الإمام أبي حنيفة . وقد حاول « كولسون » أن يعزز تفسيره عندما ذكر أن الشيباني هو مؤلف كتب مدرسة الرأي ونسبها إلى أستاذه أبي حنيفة . وهذا التفسير ليس صحيحا لأن نسبة هذه المدارس إلى مؤسسيها ترجع إلى شهرة كل واحد منهم في بلده . فقد اشتهر الإمام « مالك » بالفتيا والتدريس بالمدينة ، واشتهر عنه أخذه بالأحاديث وطرحه الرأي إلا فيما ندر فنسبت مدرسة الحديث إليه ، أما الإمام « أبو حنيفة » فقد اشتهر باستخدام الرأي في العراق ، وترأس الفقهاء هناك بلا جدال ، وطبقت شهرته الآفاق فنسبت مدرسة الرأي إليه . كما أننا لا نوافق « كولسون » على رأيه القائل : إن المؤسس الحقيقي للمدرسة الحنفية هو الشيباني ، ولكنه وجد في أبي حنيفة أصلا يدعمه فتعلق به على حدّ قول « ساخاو
Sachau
» : « كلبلاب التف حول جذع قوي لشجرة بلوط » . وكذلك الأمر بالنسبة إلى « ابن القاسم » باعتباره المؤسس الحقيقي للفقه المالكي . والسبب في ذلك - حسب رأينا - أن أبا حنيفة قد أسس المدرسة الحنفية ووضع العديد من الكتب حول فقهها ، ولكنها ضاعت كبقية كتب التراث الأخرى وبقيت كتب « الشيباني » محفوظة إلى يومنا هذا . وهذا الأمر لا يدل على أن « الشيباني » هو المؤسس الحقيقي لهذه المدرسة بمجرّد وجود كتبه محفوظة من الضياع . لأن الذي قعّد القواعد الفقهية الحنفية ووضع أصولها ، ونظمها وأفتى الفتاوى بموجبها هو الإمام « أبو حنيفة » الذي شهد له القاضي والداني بالغزارة في العلم والتقوى في السلوك ، والبعد عن الجاه والسلطان . أما بالنسبة إلى ابن القاسم فإن شهرته الواسعة وعلمه الغزير لم يسعفاه بأن يكون مؤسّسا للمدرسة المالكية التي ترجع في حقيقتها إلى جهود الإمام « مالك » والذي لا يزال موطؤه شاهدا عليها .
وأخيرا يرى « كولسون » أن التوفيق بين هذه الآراء المتضاربة وإيجاد وحدة تشريعية متماسكة يقتضي عملا وجهودا جبارة تكون نافعة من داخل الفقه ذاته ، وهنا
هامش
( 1 )Coulson ; A History . . . op . cit , p . 51 .