رسالتنا « 1 » . وهذا المنهج الذي سلكه « الشافعي » سبقه إليه العديد من فقهاء المسلمين قبله ، وتنهار بالتالي فرضية « كولسون » المتعسفة بالخصوص .
وبعد أن يعرض « كولسون » الأمثلة الواردة في كتاب الموطأ ليستدل بها على صحة فرضيته التي دحضناها آنفا يصل إلى نتيجة مفادها اختلاف منهجي مدرسة الحديث والرأي طبقا لتلك الأمثلة السابقة ، وهو اختلاف لا يراه قليلا ، ويرى أن أصولهما المشتركة تتمثل في الأحكام الظاهرة الواردة في القرآن ، وفي الآثار المسندة إلى النبي أو الخلفاء الراشدين كما احتفظ به التشريع العملي الأموي . كما أن الاستنتاجات التي توصل إليها فقهاء الكوفة لا تختلف عنها في المدينة إلى حدّ كبير .
غير أن حرية الاستدلال الشخصي أدّت إلى أحكام مختلفة كما حاول البرهنة عليها آنفا . لأنه يرى من الطبيعي أن يتأثر الفكر الفقهي بالظروف البيئية السائدة في كل بلد .
ثم يضرب الأمثلة تلو الأخرى - كما فعل « شاخت » - لتفسير أوجه الاختلاف بين فقهاء الكوفة والمدينة ، ولكن جانبه الصواب في العديد منها ، وقد أشرنا إلى بعض منها فيما يتعلق بولاية المرأة من تزويج نفسها من عدمه وبيّنا خطل رأيه ، وقد أورد هذا المثال ذاته في هذا السياق وقاس عليه اختلاف المدرستين حول من يرث ميتا لم يترك صاحب فرض ولا عصبة ؟ . ووصل إلى نفس النتيجة التي وصل إليها من خلال مثاله المتعلق بالولاية في الزواج . ولا نجد ضرورة لسرد هذا المثال والرد عليه طالما فعلنا مع نظيره ما نود إيضاحه الآن منعا للتكرار .
وعندما يقرر « كولسون » اختلاف هاتين المدرستين في الكثير من القواعد الفقهية للأسباب التي أوردها في كتابه ، فإنه يقر كذلك بوجود اختلافات في الرأي داخل المدرسة الفقهية ذاتها ، وضرب أمثلة على ذلك بالاختلاف القائم بين أبي يوسف والشيباني في عدة أحكام فقهية خاصة فيما يتعلق بالوقف ، فالشيباني يقيس الوقف على الهبة ، وحجته في ذلك أن الوقف هبة العين الموقوفة للّه وتعود منفعتها للمنتفعين بها .
وقد حكم بناء على ذلك بأن تسلم الموقوف للقائم على إدارته هو شرط لصحة الوقف . أما أبو يوسف فإنه متأثر إلى حدّ كبير بالاعتبارات العملية المتمثلة في وجوب تيسير إنشاء الوقف والتشجيع عليه . وبناء عليه قضى أن مجرد إعلان الواقف ، يكون كافيا في حد ذاته لصحة الوقف ، ولو لم يسلّم العين الموقوفة ، وهذا من شأنه أن يؤدي
هامش
( 1 )Hadj sassi salem , origine et developpement , op . cit , pp . 76 - 80 .