تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
لإضفاء صفة الشرعية على الأحاديث الموضوعة بأخرة والتي وصفها بأنها « اعتباطية » ونحن تعرضنا في الجزء الأول من كتابنا إلى هذه الشبهة ودحضناها جملة وتفصيلا وبرهنّا على أن سلسلة الإسناد تعود إلى عصر الصحابة وتتابعت على مرّ العصور بتلك الدقة المتناهية من التحقق في عدالة الرواة وأمانتهم ، كما تناولت متن الأحاديث أيضا . وقد تطوّرت هذه المناهج الصارمة لدى المسلمين حتى أنشئوا بموجبها علم « الجرح والتعديل » الذي ساهم في غربلة الأحاديث الصحيحة من الأحاديث الموضوعة . وبالتالي فإن هذه الشبهة داحضة من أساسها ولا تحتاج إلى بيان أكثر مما بيّناه آنفا . وفي مواجهة مدرسة الرأي ظهرت مدرسة الحديث التي أطلق عليها « كولسون » « جماعة المحدثين » التي اتخذت موقفا أكثر تحفظا وأشد تمسكا بالقيم والمعايير القرآنية . وضرب مثالا على ذلك بتفسير المتشدد للربا الذي نتج عنه قاعدة مفادها أن استبدال سلعة معينة ، كالذهب والفضة ، والأقوات الغالبة بمثيلتها لا يكون مباحا إلّا إذا تساوت السلعتان في الوزن أو الكيل وكان التبادل في الحال . وكان فقه أهل المدينة قد ارتضى مبادلة التبر بوزن أقل منه ذهبا مضروبا ، على أساس مقابلة الفرق بتكلفة الضرب . وهكذا اعتبر أهل الحديث هذا التبادل نوعا من الربا المحرم . ويستنتج « كولسون » من ذلك أن هذا الاتجاه المحافظ في فقه أهل الحديث غلب عليه طابع السلبية إلى حدّ فقد معه الإحساس بالظروف العملية ومتطلباتها « 1 » . ولكن الفتوى المتعلقة بالربا لم تكن من اختراع أهل الحديث ، لأنهم استندوا فيها إلى الأحاديث النبوية المبثوثة في الكتب الصحاح والتي ورد فيها نهي النبي عن بيع الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح إلّا سواء بسواء ، عينا بعين ، فمن زاد أو ازداد فقد أربى . وقد اعتبر « الشافعي » هذا الحديث صحيحا وعرف منه علّة التحريم « 2 » ، ليقيس على هذه الأمور المنصوصة غيرها ما لم ينصّ عليه ، فاستنبط من تحريم هذه الأصناف ، وما اختصت به وما جرى الناس في التعامل بها ، أن تعلم تحريم الذهب بالذهب إلّا مثلا بمثل ويدا بيد « ثمنيته » أي كونه مقوّم الأشياء ، وعلّة تحريم بقية الأصناف كونها مطعوما للناس ،
هامش
( 1 )Ibid , op . cit , p . 42 .( 2 ) الشافعي ، الرسالة ، المرجع السابق ، ص 523 . وأورد « الحديث ذاته » في كتابه الأم ج 3 ، ص 12 .