تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 362

مساهمون:

ص٣٦٢
لكل فقيه . وقد أدى اتفاق فقهاء قطر من الأقطار إلى ظهور « الإجماع » بين أعضاء المدرسة الواحدة . وحين ثبت الإجماع ظهرت « سنّة المدرسة » التي يراد بها مجموعة الآراء والأصول المتعارف عليها في كل مدرسة ، والتي يعمل رجال المدرسة الفقهية على عرضها ونصرتها . وهذه السنّة لا تتوافق مطلقا مع السنّة التي جرى العمل عليها في المحاكم الأموية « 1 » . ونحن لم نفهم المعنى الذي يقصد به « كولسون » ب « سنّة المدرسة » أو السنّة التي جرى عليها العمل في المحاكم الأموية . لأنه مفهوم السنّة في الفقه الإسلامي هو سنّة النبي القولية والفعلية والتقريرية ولا شيء غير ذلك ولعله أراد بهذه المصطلحات ما استقرّ عليه العمل في المدارس الفقهية المختلفة كمدرسة المدينة أو الكوفة أو البصرة أو غيرها . أو ربما يقصد بها تلك الآراء التي تنادي بها هذه المدارس وتطبقها في فتاويها وأحكامها . أما أن تكون « السنّة » خلاف ذلك فهو مرسل من القول لا يعتدّ به ، ولا يجب على عالم مثله تقريره والنص عليه في معرض حديثه . ثم تعرض « كولسون » إلى كيفية تطور الرأي الشخصي والاجتهاد حتى أصبح « قياسا » بالمعنى الفني للمصطلح . وهو في ذلك لم يخالف ما ذهب إليه « شاخت » في تحليلاته التي أشرنا إليها بل إنه ضرب نفس أمثلته واستشهد بها في معرض حديثه . وقد سلك نفس منهج أستاذه « شاخت » عندما تعرّض إلى كيفية ظهور مصطلحات « الاستحسان » و « الاستصلاح » وغيرهما . ولكن الرأي الخطير الذي قرّره « كولسون » في سياق هذا التطور إشارته - مثل أستاذه شاخت - إلى التشديد المتزايد على مفهوم السنّة أو الآثار الثابتة . وهكذا يرى أنه تمت صياغة الرأي الفقهي في شكل يرجع بأصوله على الماضي ، فنسب إلى الأجيال السابقة أصول ما دار على ألسنة فقهاء هذه الفترة من آراء . وكانت هذه الآراء ترد في البداية بدون أسانيد ، ولكنها ما لبثت أن ألحقت بها شخصيات مشهود لها بالورع والتقوى وأمكن بهذه الأسانيد ردّ الآراء الفقهية المتأخرة إلى الأجيال الأولى للمسلمين عبر سلسلة من الرواة « 2 » . وهو في هذا التحليل لا يخرج عمّا قرّره « شاخت » من اصطناع سلسلة الرواة
هامش
( 1 )Ibid , op . cit , p . 39 .( 2 )Ibid , op . cit , pp . 40 - 41 .