بإيجاز إلى هذه المصادر فإننا قصدنا من ذلك بيان المصادر التي اختلفت فيها هذه المدارس وأثرها في تطوّر الفقه على أننا سنعود في مبحث لاحق إلى دراسة هذه المصادر تفصيلا لبيان صلاحية الفقه الإسلامي في كل زمان ومكان .
ولندع « شاخت » قليلا لعلّنا نعود إليه بمناسبة حديثنا عن تطوّر الفقه في عهد الدولة العباسية وتطوّره لدى المدارس الفقهية اللاحقة . ونعود إلى عرض آراء « كولسون » حول تطور الفقه في عهد الأئمة المجتهدين لاستكمال الموضوع من جميع جوانبه ، وللرد على بعض شبهاته . فها هو نجده في الفصل الثالث من كتابه « في تاريخ الفقه الإسلامي » يبتدئ حديثه عن هذه الفترة بالتقاء جماعات من العلماء تحلّقت في مجالس علمية وأخذت تصدع بآرائها حول معايير السلك التي يمكن أن تعبر عن التطبيق الصحيح للأخلاق الدينية الإسلامية بعد أن أخفقت المحاكم الأموية في أن تستوعب على نحو دقيق جوهر قواعد التشريع الإسلامي ، وقد أدى ذلك كله إلى نشأة المدارس الفقهية الأولى في العقود الأخيرة للعهد الأموي « 1 » .
ويرى « كولسون » أن تطور الفقه الإسلامي في هذه المرحلة لم يستند إلى ما أصدرته المحاكم الإسلامية من أحكام ، ولكنه نشأ لرغبة الفقهاء في بناء قانوني مخالف لعمل المحاكم لأنهم رجال دين أكثر من كونهم رجال قانون ، ومن هنا اصطبغ تناولهم التشريعي في أساسه بالصبغة المثالية الدينية . وقد قادت الظروف التاريخية إلى التمييز بين الفقه النظري للفقهاء والعمل القانوني للمحاكم ، بيد أن العباسيين تمكنوا بقدر لا بأس به من التوفيق بين هذين الاتجاهين ، فقاموا بتعيين قضاة يمثلون المذاهب القائمة وعيّنوا آخرين مستشارين لهم مثل أبي يوسف الذي تقلّد كلا المنصبين في آن واحد ، ولكن الخلاف اتسع فيما بعد بين الفكر النظري والتطبيقات العملية حتى مثّل طابعا أساسيا لتاريخ التشريع الإسلامي « 2 » .
ثم أشار « كولسون » إلى كيفية تكوين مدرستي المدينة والكوفة الفقهيتين ، مشيرا إلى ما يميزهما عن بعضهما من حيث الأعراف المحلية ، ويضرب الأمثلة تلو الأخرى لبيان اختلافهما في الأحكام التطبيقية العملية . ومن هنا يرى بداية انطلاقة الفقه الإسلامي في المدارس الفقهية الأولى الذي برز على هيئة الرأي والاجتهاد الشخصي
هامش
( 1 )Coulson ; A history of islamic law , op . cit , p . 37 .( 2 )Coulson , A history ; op . cit , p . 38 .