الذي يراه الاجتهاد بعينه ، ولا يتم الاجتهاد إلّا بتحرّي معاني النصوص وعللها ، ثم إلحاق الشبيه بما يشبهه ، وأنه يقسم القياس بالنسبة إلى وضوح العلّة ، وخفائها ، ومقدار توافرها في الأمر غير المنصوص عليه إلى أقسام ثلاثة : أن يكون الفرع أولى بالحكم من الأصل كحرمة ضرب الأبوين المستفاد من قوله تعالى :
فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ
فإنه إذا كان قول
أُفٍّ
منهيّا عنه فأولى بالنهي الضرب . وأن يكون الفرع مساويا للأصل لا يزيد عليه ولا ينتقص عنه في الرتبة كقوله تعالى :
فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ
فإن العبد يقاس على الأمة في هذا التصنيف إن ارتكب ما يوجب الحدّ بالجلد . وأن يكون الفرع أضعف من علة الحكم في الأصل . وهكذا ترى كيف أن « الشافعي » قسم القياس وأصّله ، وقعّد له القواعد وجعله مصدرا من مصادر الفقه الإسلامي . وقد شرح « شاخت » هذا التقسيم باستفاضة وأورد جميع الأمثلة التي جاء بها « الشافعي » في رسالته « 1 » . وقد قمنا بدورنا بشرح معنى القياس ومراتبه ، وحدوده وتفصيلاته في رسالتنا بالفرنسية المشار إليها ، ونحيل القارئ إليها لمن يرغب في المزيد من الاطلاع « 2 » .
وفي مقابل من يستحسن القياس ، ويدافع عنه ، ويعمل به في استنباط الأحكام العملية ، نرى الظاهريين ممثلين ب « داود بن عليّ » وابن حزم الأندلسي يرفضون القياس جملة وتفصيلا ، ولا يعملون به ويجادلون معارضيهم حوله بكل ما أوتوا من حجة وبرهان لأنهم اعتمدوا على ظاهر الكتاب والسنّة . وهكذا اختلفت المدارس الفقهية حول هذا الأصل التشريعي اختلافا بيّنا . وقد تجلّى الخلاف كذلك حول الاستحسان الذي رفضه « الشافعي » في رسالته ونسبت إليه قوله : « من استحسن فقد شرّع » . ومقابل ذلك أخذ به الأحناف واعتبروه أحد المصادر الفرعية للفقه وقعّدوا له القواعد وضربوا له الأمثال . ونحن أوردنا حجج الطرفين في رسالتنا تفصيلا ووصلنا إلى نتيجة مفادها أن الإمام « الشافعي » رفض الاستحسان المبني على الهوى والتلذّذ والمصلحة الشخصية والذي لا يستند إلى النصوص الشرعية . ولكن لو محصنا بعمق مفهوم الاستحسان
هامش
( 1 )Schacht , the origins , op . cit , pp . 122 - 126 .( 2 )Hadj sassi salem , origine et developpement de la science des usul al - fiqh , these de doctorat , op . cit , pp . 109 - 143 .وقد أوردنا ضمن هذه الرسالة آراء شاخت وردودنا عليها انظر ص 112 - 113 من الرسالة .