« شاخت » . وبالرغم من اعتماد هذه المدرسة على الأحاديث في المقام الأول فإنها طبقت الرأي في العديد من المسائل التي لا تحكمها النصوص القرآنية والأحاديث النبوية وما مصطلح « المصالح المرسلة » الذي اخترعه الإمام « مالك » وطبقه في فقهه إلّا دليل على أخذه بمبدإ الرأي في التشريع لأن المصالح المرسلة في حقيقة أمرها ليست إلّا نوعا من الاستحسان .
لقد اشتد الخلاف في هذه المرحلة التي نؤرّخ لها بين أهل الحديث وأهل الرأي .
وقدم كل فريق الحجج التي تعضده وتقوّي مركزه . فأهل الحديث يرون أن الشريعة أرفع وأسمى من أن تكون مجالا للرأي والاجتهاد الشخصي ، ولا تستند إلّا إلى النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تعصم الفقيه من الزلل والخطأ خلافا للرأي الصادر من الإنسان مهما كانت درجة ثقافته وعلمه لأنه معرض للخطأ والصواب .
ولعلّ أعظم من دافع عن القياس واعتبره حجة شرعية هو الإمام « الشافعي » الذي ضبط قواعده وبيّن حدوده ، وحدّد الشروط اللازم توافرها في الفقيه الذي يستخدم القياس في الاستنباط ، وقدم له بمقدمتين هامّتين ؛ أولاهما : إن ما يكون من أحداث ونوازل ، ففيه حكم للإسلام . . . وإذا كان للشارع حكم في كل قضية وحادثة أو نازلة فلا بدّ من أنه قد نبّه إلى بيان ذلك الحكم ، إما بنصّ عليه ، أو بإشارة إليه ، أو بدلالة تدل الطالب له وتهديه إلى معرفة ، إذا تحرّى أن يعرف . وإن معرفة الأحكام من دلالتها يكون بالاجتهاد والاستنباط وإلحاق الأشباه بأشباهها ، والأمثال بأمثالها ، فهو لا محالة سائر إلى القياس « 1 » . وثانيهما : إن العلم بأحكام الشرع قسمان : علم إحاطة يتناول الظاهر والباطن . . . وهذا علم يقيني لا يسع أحدا أن يشك فيه ، والقسم الثاني علم في الظاهر ، والحقيقة التي اختص اللّه بعلمها مغيبة عنه لا يسعه أن يعلمها على التحقيق ، وهذا علم يكون على طريق الترجيح والظن لا على طريق الجزم والقطع الذي لا يعتريه الباطل من بين يديه ، ولا من خلفه ، العلم بالأحكام على النحو الأول يكون باثنين بنص الكتاب ، وبنصّ السنّة المتواترة . وهذان السبيلان اللذان يشهد بهما فيما أحلّ أنه حلال ، وفيما حرّم أنه حرام ، وهو الذي لا يسع أحدا جهله ، ولا يشك فيه « 2 » .
ويستمر « الشافعي » في إيراد الأمثلة والنصوص لتأييد وجهة نظره حول القياس
هامش
( 1 ) الشافعي ، الرسالة ، المرجع السابق ، ص 477 .
( 2 ) الشافعي ، الرسالة ، المرجع السابق ، ص 482 .