تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
وجدت هذا القياس غير مناسب فاستندت في دعمه إلى الأحاديث النبوية التي ظهرت في ذلك الوقت لمصلحة مذهبها « 1 » . ونحن نرى أن هذا العهد الذي نؤرّخ له وهو ظهور المدارس الفقهية الكبرى قد اتسم بالنزاع في مادة الفقه ، لأن كل مدرسة حاولت الاستناد إلى أصول مختلفة باستثناء القرآن والسنّة لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها التفصيلية . فهم قد اختلفوا في كيفية استنباط الأحكام من السنّة ، واختلفوا كذلك في كيفية استنباطها من الإجماع كما أسلفنا فيهما القول . وحصل ذات الاختلاف على الاجتهاد بالرأي والقياس والاستحسان . فهذه المدرسة العراقية اعتمدت على الرأي الذي طورته فأصبح من الناحية الفنية قياسا أو استحسانا حسب الأحوال . والأمثلة السابقة التي أوردها « شاخت » تدل على منهجية هذه المدرسة في استخدام القياس في المسائل الفقهية . ولكن الذي لا نجد له دليلا يعضده ما يؤكده دوما من التجاء هذه المدرسة إلى الأحاديث النبوية « الموضوعة » لتعزيز موقفها حيال هذه القضايا الفقهية . وملخص القول في هذا الموضوع : أن الأخذ بالاجتهاد بالرأي كان قد لجأ إليه الصحابة والتابعون عندما لم يجدوا نصّا صريحا في القرآن أو السنّة يحكم بعض القضايا المطروحة أمامهم . وتدل الوقائع التاريخية والأحاديث النبوية الصحيحة على أن الرسول قد أقرّ عليه معاذا عندما أرسله قاضيا إلى اليمن ، كما أن رسالة « عمر القضائية » ورد فيها الأخذ بهذا الأصل مهما أنكر « ابن حزم » أو المستشرقون ذلك . وقد كان لانتشار الفقهاء في الأمصار أثره في الأخذ بالرأي ، لأنهم لا يتمكنون جميعا من معرفة السنن التي يمكن أن يجدوا فيها حلولا للمشاكل المطروحة أمامهم . ولكن هؤلاء الفقهاء خشوا التوسع في الرأي الذي ربما قد يكون مخالفا لبعض السنن التي لا يعلمونها فضيّقوا من دائرته واشترطوا على الفقيه الذي يستنبط الأحكام بالرأي أن يستند إلى أصل معيّن يعضده ويرجع إليه في فتواه . وهذه الطريقة تطوّرت بعدئذ من الناحية الفنية حتى أصبحت قياسا واستحسانا واستصحابا حسب الأحوال ، وبرع فيها العراقيون . ولم يقتصر هذا الأمر على المدرسة العراقية وحدها ، لأن هذا التطبيق امتد إلى مدرسة الحديث ، وأخذ به الإمام « مالك » في بعض القضايا طبقا لما أشار إليه
هامش
( 1 )Schacht , Introduction , op . cit , p . 42 . b ) Schacht , the origins . . . ; op , cit , p . 107 - 108 .