ويعترف « الشافعي » بإجماع الصحابة ولكنه لا يعتبره ، لأنه يكون دليلا على أنهم سمعوا من رسول اللّه سنّة فيما اجتمعوا عليه ، ولكنه يأخذ رأيهم بعين الاعتبار لأنهم اجتهدوا في المسائل المطروحة أمامهم ، وهم لا يغفلون عن السنّة في موضع ذلك الاجتهاد ، فلا بدّ من أنهم اجتهدوا حيث لا يقوم نصّ من السنّة أو أثر عن الرسول على خلاف ما اجتمعوا عليه ، ولكن إذا حكوا سنّة فيما اجتمعوا عليه كانت السنّة هي الحجة « 1 » .
وكان الإمام « الشافعي » واضحا في معارضته لإجماع أهل المدينة كما ذهب « شاخت » إلى ذلك ، فالإمام « مالك » يرى أن إجماع أهل المدينة حجة على المسلمين وعليهم الأخذ به ، ويرد عليه « الشافعي » في رسالته ، بعد أن يقرّ لهم بأن عملهم مقدم على حديث الآحاد ، فيقول : « لست أقول ، ولا أحد من أهل العلم « هذا مجتمع عليه » إلّا لما لا تلقى عالما أبدا إلّا قاله لك ، وحكاه عمن قبله كالظهر أربع ، وكتحريم الخمر وما أشبه هذا ، قد أجده يقول : المجمع عليه ، وأجد من المدينة من أهل العلم من يقول بخلافه ، وأجد عامة أهل البلدان على خلاف ما يقوم « المجمع عليه » « 2 » .
ونستنبط من المقطع السابق أن « الشافعي » يرى أن الأمر المجتمع عليه ليس هو اجتماع بلد ، بل اجتماع علماء المسلمين في جميع البلاد الإسلامية ، وإن ما يدّعيه الإمام « مالك » من أن المسائل المجمع عليها في المدينة كان من أهل المدينة من يرى خلافها كما أن البلدان الإسلامية الأخرى تخالفها .
ولعلّ أهم بحث دبّج حول إبطال القول بحجية إجماع أهل المدينة ذلك البحث الرائع الذي كتبه الأستاذ « برونشقج » والذي أبان فيه بعمق وتحليل عظيمين أن أهل المدينة قد اختلفوا مع بعضهم في العديد من المسائل المطروحة أمامهم ، كما أن العديد من الأصقاع الإسلامية الأخرى خالفتهم في ذلك ، ويستشهد بتلك الرسالة التي وجهها « الليث بن سعد » إلى أستاذه الإمام « مالك » مشيرا فيها بحصول ذلك الخلاف على عديد من الوقائع بين علماء المدينة ذاتها « 3 » .
هامش
( 1 ) الشافعي ، الرسالة ، المرجع السابق ، ص 472 .
( 2 ) الشافعي ، الرسالة ، المرجع السابق ، ص 534 - 535 .
( 3 )Robert Brunschvig ; Poleymique Medievales autour du rite de Malik ; etudes d'islamologie , Tome second Maisonneuve et Larose , Paris , 1976 , pp : 65 - 101 .