تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
ومما يدل على حجية الإجماع عند « الشافعي » ما رواه في رسالته عن ابن سليمان بن يسار عن أبيه أن عمر بن الخطاب خطب الناس بالجابية فقال : « إن رسول اللّه قام فينا كمقامي فيكم فقال : أكرموا أصحابي ، ثم الذي يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، يظهر الكذب حتى إن الرجل ليحلف ولا يستحلف ، ويشهد ولا يستشهد ، ألا من سرّه بحبحة الجنة ، فليلزم الجماعة ، فإن الشيطان مع الفذّ ، وهو من الاثنين أبعد ، . . . الخ » « 1 » . فالحديث السابق الذي استشهد به « الشافعي » يدل على ضرورة ملازمة الجماعة ، ولا تعني هذه الملازمة ملازمة الأبدان ، ولكن يقصد بها ملازمة الجماعة الإسلامية من التحليل والتحريم والطاعة فيها ، وذلك طبقا لما بيّنه في فقرة لاحقة من كتابه الرسالة « 2 » . وبغض النظر عمّا قيل في قراءته للقرآن ثلاثمائة مرة حتى وجد الآية التي تعزز حجية الإجماع فإننا نكتفي بما أورده صراحة في رسالته من حجية الإجماع ونكتفي بها دون النظر في حجج أخرى تحتمل الشك والتخمين . وإذا كان « الشافعي » أقرّ بحجية الإجماع خلافا لما ذا ذهب إليه « شاخت » فإلى من ينسب إليه الإجماع ؟ ، إلى الأمة الإسلامية بأكملها أم إلى العلماء المجتهدين فقط ؟ . لقد رأينا من بعض المقاطع السابقة التي أوردناها لك إقرار « الشافعي » بحجة إجماع الأمة لها ، ولكنه قصر ذلك على ما هو معروف في الدين بالضرورة ، غير أنه حدّد المجمعين بالعلماء المجتهدين عند قوله في كتابه « الأم » : « لست أقول ولا أحد من أهل العلم : هذا مجتمع عليه ، إلّا لما لا تلقى عالما أبدا إلّا قال لك ، وحكاه عمن قبله كالظهر أربع ، وكتحريم الخمر وما أشبه ذلك » « 3 » . وهذا النص يدل على أن الإجماع معقود للعلماء المجتهدين دون سواهم ، لأنهم هم الذين يعرفون الحلال والحرام في الأمور غير المنصوص عليها في كتاب اللّه وسنّة رسوله . فإذا كان أساس الإجماع هو الوصول إلى رأي شرعيّ يبين الحلال والحرام وغيرها من الأحكام الشرعية فلا مناص من ألّا يكون ذلك إلّا من العلماء المجتهدين .
هامش
( 1 ) الشافعي ، الرسالة ، تحقيق أحمد محمد شاكر ، المرجع السابق ص 373 - 474 . ( 2 ) الشافعي ، الرسالة ، المرجع السابق ، ص 475 . ( 3 ) الشافعي ، الأم ، كتاب الشعب ، الجزء السابع ، 1968 ، باب إبطال الاستحسان ، ص 270 - 277 .