المدينة وعملهم . ورأينا آخرين كالمعتزلة وغيرهم ينكرون الإجماع ك « إبراهيم النظّام » وشيعته ولكلّ حجة . ورأينا آخرين يعتبرون الإجماع هو الصادر باتفاق جميع المجتهدين في عصر من العصور ، وهذا التعريف يشترط معرفة أشخاص المجتهدين الذين يقف الإجماع على اتفاقهم ومعرفة رأي كل واحد منهم في المسألة التي يراد الوقوف على رأيهم فيها ، وكلا الشرطين متعذّر بحسب الحاجة كما ترى . يضاف إلى ذلك أن رأي المجتهد لا بدّ من أن يكون صريحا لا ضمنيّا إذ لا ينسب إلى ساكت قول . وأخيرا فلا بد من تحقيق الاتفاق من جميع المجتهدين فلو خالفه واحد منهم لما انعقد الإجماع لأنه ما دام قد وجد اختلاف وجد احتمال الصواب في جانب والخطأ في جانب . وهذه الشروط كما ترى مستحيلة التحقيق بعد عصر الصحابة وبالتالي تكون أكثر استحالة في العصور اللاحقة لهم .
ونحن لو فصلنا القول في هذا الموضوع لما خرجنا منه ، وما علينا إلّا الاقتصار على مفهوم الإجماع لدى « الشافعي » الذي حدده « شاخت » في عدة نقاط منها : موافقته أولا على مفهوم إجماع العلماء . ثم اعترافه بإجماع الأمة كلها وأخيرا رفضه لحجية الإجماع وإنكار وجوده أصلا « 1 » .
ونحن نورد لك مفهوم « الإجماع » عند « الشافعي » طبقا لرسالته الأصولية وبعض آرائه المبثوثة بالخصوص في كتابه « الأم » . فهو لم ينكر الإجماع في المرحلة الأخيرة من تطويره لهذا المفهوم كما ذهب إلى ذلك « شاخت » ، ولكنه اعترف دوما بحجية الإجماع ، ورآه المصدر التالي للتشريع بعد القرآن والسنّة . وأنه هو الذي بحث له عن دليل يعضده في القرآن الكريم ، والدليل على عدم إنكاره له ما ورد عنه في كتاب « الأم » وقد سأله مناقشة في صدر مناظراته : « فهل من إجماع ؟ » قلت : نعم بحمد اللّه كثير في جملة الفرائض التي لا يسع أحدا جهلها ، فلذلك الإجماع هو الذي لو قلت أجمع الناس لم تجد حولك أحدا يعرف شيئا يقول لك ليس هذا بإجماع » « 2 » . ولعلّ هذه العبارة هي التي استنتج منها « شاخت » أن الشافعي يقول بإجماع الأمة قاطبة في مرحلة من مراحل تفكير ولم يقصر على إجماع العلماء المجتهدين ، حالة كونه اعتبر الإجماع منعقدا وموجودا بما هو معلوم في الدين بالضرورة .
هامش
( 1 )Schacht , The origins , op . cit , p : 89 .( 2 ) الشافعي ، الأم ، الجزء السابع ، ص 157 .