التخصيص والتقييد من باب بيان المراد بالنصّ ، وجعل النسخ رفع حكم النصّ بعد أن يكون ثابتا « 1 » .
ولعلّنا نضيف إلى ما سبق أن أسهبنا فيه في « رسالتنا الموسومة ب « مناهج علم الأصول عند الشافعي والغزالي » أننا نوافق على ما ذهب إليه « شاخت » من أن « الشافعي » قد اعتمد فقط على أعمال الرسول الثابتة بالرواية عنه ، وقيل بصفة خاصة الآثار المنسوبة إلى نفسه . وهذا صحيح لأن السنّة في حاجة إلى ما يخلصها من الأوشاب اللاحقة بها على مرّ العصور وهي مهمة تحتاج إلى مجهود علمي كبير ، ولا يضير الشافعي ما نسبه إليه « شاخت » من أنه قبل آثار الصحابة ، وآراء التابعين وحتى بعض ثقات المتأخرين متخذا منها معاضدا له في حجاجه ، لأن تلك الآثار والآراء كانت تمثل امتداد التراث التشريعي والفقه الإسلامي ، ولا يمكن تجاهل ذلك عندما يراد تجريد السنّة مما لحق بها من عناصر أخرى نتيجة تطوّر الفقه الإسلامي على مرّ العصور والأيام .
أما بالنسبة إلى ما ذكره « شاخت » حول مفهوم « الإجماع » وتطوّره منذ القدم حتى تميّزت خصائصه لدى المدارس الفقهية القديمة طبقا للوصف الذي أتى به في كتبه وأبحاثه المختلفة ، فإننا لا نود الاستطراد في الرد عليه في هذا المقام حتى لا نخرج عن الإطار الذي رسمناه لأنفسنا في هذا الكتاب ، ولكننا نود إيضاح حقيقة هامة وأساسية وهي أن الإجماع قد اختلف في وقوعه منذ القدم ، واختلف في الأسانيد التي يعتمد عليها ، واختلف في العصور التي وقع فيها . واختلف في نوعيته حالة كونه صريحا أو ضمنيّا . وأخيرا اختلف في حجيته . ولكن مفهوم الإجماع لدى المدارس الفقهية القديمة لا يقصد به إجماع الأمة الإسلامية قاطبة على أمر من الأمور الدينية ، لأن ذلك مستحيل الوقوع عقلا وواقعا . ولعلّ من ذهب إلى هذا الرأي استند إلى إجماع الأمة الإسلامية على ما هو معروف من الدين بالضرورة . ولكن هذا لا يعدّ إجماعا طبقا للمفهوم العلمي للإجماع الذي نراه ينعقد بإجماع مجتهدي الأمة الإسلامية في عصر من العصور على أمر من الأمور الدينية . وهذا المفهوم هو الذي ذهبت إليه المدارس الفقهية القديمة منها واللاحقة لها ، وإن كان قد انصبّ الخلاف بينها حول العصور التي يقع فيها الإجماع ونوعيته . فنحن رأينا أن أهل المدينة لا يعتدّون إلّا بإجماع أهل
هامش
( 1 )Ibid , op . cit , pp . 78 - 79 .