مفهوم « السنّة » دون نسبتها إلى « سنّة النبي » اختلف من عصر لآخر لاختلاف المفاهيم التي كانت تؤدّي إليها كلمة « السنّة » . إلّا أن هذا المفهوم قد تحدد فعلا منذ عصر النبي باعتباره أقوال الرسول وأفعاله وتقريراته ، وأصبحت مصدرا تشريعيّا من مصادر الفقه الإسلامي منذ ذلك التاريخ ، وكثيرا ما تعرّضنا لدورها التشريعي في الأدوار السابقة لتطوّر الفقه ، وبالتالي فإن حجيتها ، ونسبتها إلى الرسول لم تكن من إبداعات المدرسة العراقية ، ولم تكن من اختراعات الإمام « الشافعي » ولعلّ من المناسب أن نتعرّض الآن باختصار لرأي « الشافعي » حول السنّة طبقا لما أوردناه في رسالتنا المكتوبة باللغة الفرنسية « 1 » . حتى نوصل هذا المفهوم عنده . فهو يضع السنة الثابتة في مرتبة القرآن للاستدلال بها في الأحكام الشرعية لأنها تعتبر وحيا شأنها في ذلك شأن القرآن .
وعلاقتها بالقرآن تتحدد في بيان مجمله ، وتخصيص عامه ، والإتيان بأحكام جديدة ليست منصوصة فيه « 2 » . وقد خصص « الشافعي » للسنّة مكانا واسعا في « رسالته » أسهب القول في أصلها ، وحجيتها ، ومكانتها بالنسبة إلى القرآن فاستغرقت خمسا وأربعين صفحة . واستخلصنا من هذه الدراسة أنه يضع السنّة الثابتة في مرتبة القرآن عند استنباط الأحكام لأنه يعتبرها وحيا من اللّه . وأنه يأخذ بأخبار الآحاد شريطة أن يكون إسنادها صحيحا ، واشترط في قبول أحاديث الآحاد شروطا دقيقة في الراوي ، كأن يكون ثقة في دينه معروفا بالصدق في حديثه ، وأن يكون عاقلا لما يحدّث فاهما له ، وأن يكون ضابطا لما يرويه ، وأن يكون قد سمع الحديث ممن يروي عنه ، وألّا يكون مدلّسا ، وألّا يكون الحديث غير مخالف لحديث أهل العلم إن أشركهم في موضوعه ، وأخيرا أن ينتهي الحديث موصولا إلى النبي أو إلى من انتهى إليه دونه إن انتهى عند تابعي .
وأخيرا فإن الإمام « الشافعي » تفرد في القول بنسخ القرآن للقرآن ونسخ السنّة للسنة وعدم وقوع النسخ بينهما . ولعلّ أهم نتيجة يمكن الإشارة إليها في هذا الصدد أن « الشافعي » قد ميّز النسخ عن تقييد المطلق وتخصيص العام ، وجعلهما من نوع البيان ، وكثير من المتقدمين من الصحابة والتابعين من بعدهم كانوا يسمون المطلق نسخا ، وتخصيص العام نسخا حتى كان منهم من يجعل الاستثناء نسخا . وهكذا جعل
هامش
( 1 )Hadj sassi salem , origine et developpement de la science d'usul al - fiqh , these de doctorat , op . cit , pp . 64 - 79 .( 2 ) انظر تفاصيل ذلك في المرجع السابق ، ص 65 - 73 .