وكان يمثّل رأي الوسط ، ولا يهتمون برأي الأقلية إلّا نادرا . وكان « الشيباني » في « موطّئه » يرجع دائما إلى رأي أبي حنيفة وغيره من علماء العراق بصفة عامة . وقد أورد في آثاره العديد من الأحكام المنقولة عن إبراهيم النخعي مع آراء أبي حنيفة . وهكذا فقد فهم رؤساء المدرسة العراقية كأبي حنيفة وأبي يوسف والشيباني وأتباعهم الإجماع بأنه يمثّل المذهب المرتبط باسم « إبراهيم النخعي » . ولكن هذا لم يكن مانعا لهم من الاختلاف معه أحيانا أو مع غيره « 1 » .
ويختتم « شاخت » بحثه حول الإجماع العراقي بقوله : إنه لم يوجد بصورة عامة أي خلاف جوهري بين عمل الإجماع وطريقة الأخذ به في كلا المدرستين العراقية والمدنية ، باستثناء تطوير العراقيين لهذه النظرية أكثر مما فعل أهل المدينة ، وهذا الأمر يعود إلى خاصية العراق الجغرافية ، وجهود علمائه الفردية « 2 » .
ونحن قبل أن نستمر في إيراد وجهة نظر المستشرقين حول تطوّر الفقه في عهد الأئمة المجتهدين ، نلاحظ أن « شاخت » قد ركّز على نقطتين رئيستين عندما درس هذا التطور ، أولاهما : أنه لم يجعل للسنّة النبوية تلك الحجية منذ عهد الرسول ، ولكنه أرجع ظهورها إلى عهد « الشافعي » وما قامت به المدرسة العراقية من إطلاقها « سنّة النبي » على « السنّة الحيّة » . وثانيتهما : فصّل القول في مفهوم الإجماع لدى أهل المدينة وأهل العراق مستنتجا قلّة اختلافهما حول هذا الموضوع بصرف النظر عن بعض الفروقات الظاهرة بينهما والتي تمثل في اعتبار أهل المدينة أن إجماعهم هو الصحيح ، واعتبار أهل العراق أن إجماع علماء المسلمين هو الأصل .
أما بالنسبة إلى الشبهة الأولى التي حاول « شاخت » أن يؤكد من خلالها أن « الشافعي » هو الفقيه الأول الذي حدد السنّة بأنها المثل في سلوك النبي ، خلافا لأسلافه الذين كانت السنّة بالنسبة إليهم لا ترتبط ضرورة بالنبي ، ولكنها تمثل الآثار - ولو تصوّرا - التي كان عليها العمل بين الجماعة مكونة العرف ، فكانت على قدم المساواة مع ما يجري عليه العمل من عاداتهم ، أو ما كانت تأخذ به عامتهم على وجه الخصوص ، فإنّ ردودنا عليها قد سطرناها في الفصل الثاني من الجزء الأول من كتابنا ، وندعو القرّاء إلى العودة إليه منعا للتكرار . ولكن الذي نود توضيحه في هذا المقام أن
هامش
( 1 )Schacht , The origins , op . cit , p : 85 .( 2 )Ibid , op . cit , p . 87 .