إجماع أهل المدينة ، لأن الأمر المجمع لديه بالنسبة إليه ليس هو اجتماع بلد ، بل هو اجتماع العلماء في كل البلاد . ثم إنه يرى أن المسائل التي ادّعي فيها إجماع أهل المدينة عليها كان من أهل المدينة من يرى خلافها . ويرى أهل المدينة أن إجماعهم مقدم على خبر الواحد ، لأن حكاية الجماعة أقوى من حكاية الواحد . ولكن « الشافعي » لا يقرّ بهذه النتيجة ونراه يناقشها باستفاضة في « كتابه الأم » ويصل بموجبها إلى نتيجة أخرى مفادها أنه يقدم خبر الواحد على الإجماع بالرأي أيّا كان سبب الإجماع إلّا إذا تبيّن أن الإجماع بني على النقل ، ورواه جماعة عن جماعة الرسول ، وهو ما يسمى خبر العامة ، فيقدم حينئذ على خبر الانفراد ، ويكون أوثق ، وتكون الحجية فيه بالسنّة لا بإجماع أهل المدينة أو إجماع العلماء جميعا « 1 » .
ولا يأتي « شاخت » بجديد عندما يقرّر النتيجة السابقة ولكنه يعرضها طبقا لما وردت في كتب « الشافعي » ويضيف إليها اختلاف أهل المدينة في المسألة الفقهية الواحدة ، وما من مسألة فقهية جعل المخالف دليله إجماع أهل المدينة إلّا كان لهم مخالف فيها ، وهو نفس الرأي الذي ذهب إليه « الشافعي » عندما يقول : « قد أوضحنا لكم ما يدلكم على أن ادّعاء الإجماع بالمدينة وفي غيرها لا يجوز ، وفي القول الذي ادعيتم فيه الإجماع اختلاف . وأكثر ما قلتم « الأمر المجتمع عليه » فمختلف فيه » « 2 » .
أما مفهوم الإجماع عند العراقيين فهو ليس « إجماعا مكانيّا » ولكنه يمتد نظريا ليشمل جميع الأصقاع الإسلامية . ولكن من الناحية الواقعية فإن الإجماع العراقي يتميز ببعض المظاهر المكانية « المحلية » هو الآخر . وقد عبّر عنه « الشافعي » صراحة في رسالته ، وسطّره أبو يوسف في كتبه حينما أشار إلى « إجماع كل علمائنا » . ويقصد بهذه العبارة إجماع العلماء العراقيين . كما أشار إلى ذلك « الشيباني » عندما قال : « رأي أبي حنيفة ورأي علمائنا بصورة عامة » وهذا التعبير الأخير هو الذي كان مستخدما عند الإمام « مالك » عندما يعبّر عنه « بالعمل عندنا » « 3 » .
لقد كان الإجماع عند العراقيين مجهولا كما هو الحال بالنسبة إلى أهل المدينة ،
هامش
( 1 ) الشافعي ، الأم ، ج 7 ، ص 222 وقد عبّرنا عن هذه النتيجة بأسلوبنا .
( 2 ) الشافعي ، المرجع السابق ، ص 248 .
( 3 )Schacht , The origins , op . cit , p : 85 .أشار شاخت إلى مصادر الفقهاء الذين أوردنا آراءهم في كتابه هذا .